الحلقة الأولى
كسوة الكعبة في الحقبة الملكية بمصر

تراثنا – إبراهيم إبراهيم عبدالفتاح :
الاحتفال بخروج المحمل المصري وعودته من أهم الاحتفالات الرسمية والشعبية التي كانت تقام في مصر .والتي جذبت اهتمام المستشرقين والرحالة الأجانب ، فراحوا يسجلون ما يشاهدونه ، إما كتابة ، أو تصويراً بالفرشاة ، أو بعدسة ا لكاميرا عقب اختراع التصوير الفوتوغرافي .

من بين هؤلاء الكاتب والمستشرق البريطاني سيمون هنري ليدر (1865 – 1930م) ، الذي وقع تحت سحر العرب الجذاب ، واهتم اهتماماً عظيماً بدراسة حياتهم ودينهم ، اللذين أثارا لديه فضولاً عميقاً .
مؤلفات ليدر

ترك سيمون مؤلفات هامة مثل “بوابة الصحراء : بسكرة وما حولها” ، وكتاب “أبناء الفراعنة المحدثون: دراسة لأخلاق أقباط مصر وعاداتهم ” ، وكتاب ” أسرار مصر الخفية ودين الإسلام ” ، الذي نشر في عام 1912م ، وهو ما يعنينا في هذا المقال ، حيث خصص فيه ” ليدر” فصلاً للحديث عن المحمل المصري وكسوة الكعبة ، حيث دخل دار الكسوة وعاين بنفسه مراحل صناعتها ، والتقى بأحد المتخصصين في صناعتها لمدة خمسين يوماً ، وسمع منه تفاصيل كثيرة .
وسجل وصفاً لمشاهداته بدقة متناهية ، وزوده بصور فوتوغرافية ألتقطها بنفسه ، حتى تكون أبلغ في إيصال فكرته ، لكي يكون القارئ على دراية عما قُدم له من وصف .
كتابات محل ثقة
توفر ل ” ليدر” ما لم يتوفر لغيره من الأجانب الذين زاروا القاهرة ، وكتبوا عن المحمل في القرن التاسع عشر ، ومطلع القرن العشرين ، ما جعل كتاباته عن المحمل محل ثقة ،وذات مصداقية كبيرة ، حيث يشير أن الميزات التي توفرت له و أعطته المبرر ليقدم وصفاً للمحمل الشريف من خلال ما تعلمه ورآه .
ملازمة كسوة الكعبة

هذه الميزات هي أنه أتيحت له فرصة ملازمة كسوة الكعبة المشرفة لمدة شهر كامل ن وهي مدة لم تتح لغيره من الأجانب ، ولا حتى المسلمين على حد قوله ، حيث حصل على مساعدة كبيرة جداً من شخصيتين بارزتين لهما ارتباط وثيق ، وعلى معرفة ودراية كاملة بأصلها وأهميتها ومغزاها ودلالاتها ، وطريقة صناعتها ، ومواردها المالية ،واستخداماتها ، ووجهتها .
بك السجادة !

كان أحد هذين الشخصين ، مأمور تشغيل الكسوة الشريفة ، الذي أسماه ” بك السجادة” وهو الرجل الذي عينته الحكومة للأشراف على الكسوة من لحظة نسج أول خيط فيها ، إلى لحظة مغادرتها النهائية .
وهذا “البك ” كان قد رافق المحمل ثماني مرات على الأقل إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة .
محمد البنتوني

أما الرجل الثاني فهو محمد لبيب بك البتنوني ، الذي رافق خديو مصر عباس حلمي الثاني ( 1892 – 1914م) في رحلته للحج عام (1327 هجري – 1909م) ، مؤرخاً لهذا الحدث ولا شك أن هذان الشخصان ، أمداه بمعلومات وفيرة ، وموثوقة إلى درجة كبيرة ، بحكم طبيعة عملهما .
أول أجنبي يدخل مكان الكسوة
كما أنهما ساعداه في الحصول على تصريح يسمح له بدخول الداخل التي تصنع فيها الكسوة الشريفة ، فكان بذلك أول شخص أجنبي يصرح له بدخول هذا المكان ، مما جعله يعتبر هذا الحدث حدثا فريداً ، إذ لا يمنع فقط من دخوله غير المسلمين ، بل يمنع أيضا دخول المسلمين .
فرغم أنه مكان حكومي ، إلا أن هذا المكان كان يخضع لقواعد خاصة ، لا يمكن الوصول إليه كغيره من المكاتب الحكومية ، ليس هذا فحسب ، بل إن من شروط العمل في هذا المكان أن يكون الشخص مسلماً متديناً محافظاً على الصلوات الخمس في أوقاتها .
طالع الحلقة الثانية :
الحاج أحمد الصعيدي يكشف أسرار المحمل المصري الخاص بكسوة الكعبة
يتبع لاحقاً ..
نقلا عن مجلة تراثنا – العدد 94


