الحلقة الأولى
مراسلة ملك الروم نِقفور لأمير المؤمنين هارون الرشيد

تراثنا – د .محمد بن إبراهيم الشيباني * :

كثير هي المراسلات الوثائقية بين الملوك والحكام .. في التاريخ لم يعد موجوداً منها اليوم إلا النزر القليل في المراكز والمتاحف الخاصة في أوروبة وفي بعيض من الدول العربية .
وذلك لأسباب عدة منها الحروب ومحو رسمها لأن أغلبها كان يكتب على ورق البردي تحدث بذلك أهل الاختصاص في أنواع الورق ومنه البردي ، وقد وجدوها في المكتبات الملكية في بلجيكة وهولندة والنمسة كما ذكرها د. محمد مغاوري في دراساته وتطوافه في تلك الدول .
عموماً هذه مراسلة تمت بين الخليفة هارون الرشيد أو ملك العرب كما يسميه البيزنطيون آنذاك ، وهي مراسلة مشهورة موجودة في كتب الإسلام والعرب والغرب قاطبة حيث لايخلو كتاب تاريخي أو وثائقي إلا ذكرت فيه ، وهي المراسلة التي تمت بين نِقفور ملك البيزنطيين وهارون الرشيد . وهي محل الانتقاء والاعتناء بها . والله الموفق .
تمهيد

نِقفور ملك البيزنطيين في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد أو ما يسميه البيزنطيون “ملك العرب” .
هو المسمى (NIKE PHOROS) وهم ثلاثة أباطرة الأول حكم من سنة (802-811م) ، وهو المعني في دراستنا. خلع إيرينا . الملكة التي قبله كانت إمبراطورة من سنة (797-802م) فهزمه ملك العرب . قيل هلك وجيشه في حرب البلغار . انظر للمزيد المعاجم والموسوعات في اللغة والأعلام .
وهذه النصوص الملتقطة والمنتقاة المتفرقة مأخوذة من كتاب « العبر في خبر من غبر « للإمام الذهبي (ت748هـ / 1347م) من تحقيق العلامة د. صلاح الدين المنجد، طباعة وزارة الأعلام ، الكويت . مع تعليقات وزيادات لي على النص المحقق.

في سنة 187 من الهجرة الموافق 29 من ديسمبر سنة 802 للميلاد خلصت الروم (البيزنطينيون) من الملك الست ريني وهلكت بعد أشهر . وأقاموا عليهم نقفور . والروم تزعم أن نقفور من ولد جفنة الغساني الذي تنصر .
وكان نِقفور قبل المُلك يلي نظر الديوان . فكتب نِقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب : أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرُخّ . وأقامت نفسها مقام البيدق . فحملت إليك أموالها ، وذلك لضعف النساء وحمقهن . فإذا قرأت كتابي فارُدد ما حصل قبلك وافتد نفسك ، وإلا فالسيف بيننا .
فلما قرأ الرشيد الكتاب اشتد غضبه ، وتفرق جلساؤُه خوفاً من بادرة تقع منه . ثم كتب بيده على ظهر الكتاب .
“من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نِقفور كلب الروم :
قرأت كتابك يابن الكافرة ، والجواب ما تراه دون ماتسمعهُ ” .
ثم ركب من يومه وأسرع حتى نزل على مدينة هرقلة ، وأوطأ الروم ذلاً وبلاءً . فقتل وسبى . وذل نِقفور وطلب الموادعة على خراج يحمله . فأجابه . فلما رد الرشيد إلى الرقة نقض نقفور. فلم يجسرُ أحدٌ أن يبلغ الرشيد ، حتى عملت الشعراء أبياتاً يلوحون بذلك .
فقال : أَو قَدْ فعلها ؟ فكر راجعاً في مشقة الشتاء حتى أناخ بفنائه ونال منه مراده .

وفي ذلك يقول أبو العتاهية :
ألا نادت هِرقلة بالخراب
من الملكِ الموفق للصواب
غدا هارونُ يرعد بالمنايا
ويُبرق بالمذكرة الصُعاب
ورايات يحلّ النصرُ فيها
تمرُّ كأنها قطعُ السحاب
*عني بها وانتقاها رئيس مركز المخطوطات والتراث والوثائق ومجلة تراثنا
يتبع لاحقاً ..
نقلاً عن تراثنا – العدد 96

تواصل مع تراثنا

