الحلقة الأولى
نوادر مخطوطات المصاحف في العالم

تراثنا – السيد فتحي عبد الصمد * :
خلق الله عز وجل السماء باللون الأزرق لإضفاء السلام على عقل الإنسان ، فاللون الأزرق لون جميل يحث دائماً على الاسترخاء والراحة والتركيز .

وتجذب النسخ الخطية للقرآن الكريم اهتماماص واسعا في العالم أجمع ، وتعد مخطوطات المصحف الأزرق من أشهر وأهم المخطوطات القرآنية على الإطلاق ، وأكثر المخطوطات العربية الإسلامية قيمة وانتشاراً بين متاحف العالم المختلفة ، وهى مخطوطة قرآنية مبكرة يبلغ ارتفاعها 30.4 سم وعرضها 40.2 سم وارتفاعها 11 سم ، مكتوبة بالخط الكوفي الجميل ، وهى مخطوطة أفقية وليست رأسية كما هو المعتاد في المخطوطات العربية .
ويعتقد أن المصحف الأزرق كان يتكون في الأصل من 600 ورقة تقريباً ، وهى أوراق غير مؤرخة، ولذا لم يكن من السهل أبداً معرفة تاريخ نسخها أو المكان الذي نسخت فيه ، ولذا كان على مؤرخي المخطوطات دراسة العناصر الفنية لتلك المخطوطات بهدف الوصول إلى تاريخ تقريبي لها ،فكانت تلك المهمة أشبه بمهمة صعبه جداً على علماء المخطوطات والمؤرخين ، ولذا اعتمد علماء المخطوطات على أهم عنصرين في تحديد عمر تلك المخطوطة وهما :
– الخط الذي استخدم في كتابة الآيات وهو الخط الكوفي القديم ، حاد الزوايا ، والذى ظل مستخدماً في كتابة المصاحف الكبرى طوال القرون الثلاثة الأولى للهجرة حتى حل محله خط النسخ .

– وكذلك المادة المصنوعة منها الصفحات ، وهي الرق أي الجلد ، وقد استخدم جلد الحيوانات في كتابة المخطوطات خلال القرن الهجري الثالث بعد تعرف المسلمين على صناعة الورق الذي كان يعرف باسم الكاغد.
100 صفحة فقط !
في حين يعتقد البعض أن مخطوطات المصحف الأزرق قد ترجع إلى الفترة بين القرنين الثالث والرابع الهجري ، ولكن لم يتبق من مخطوطات المصحف الأزرق الأن سوى قرابة 100 صفحة فقط موزعة على متاحف العالم وبعض المجموعات الخاصة .
وتشكل هذه المخطوطات المتناثرة في متاحف العالم مصحفاً كاملاً كتب على الرق المصبوغ باللون الأزرق الداكن الذي يرمز إلى الكون السماوي، حتى شبعت به أوراقه ،وقد استخدم في كتابة أحرفه رقائق الذهب التي ترمز إلى النور الإلهي الذي ينشره كلام الله، وشكلت بفواصل فضية بين الآيات بخط كوفي قديم غير منقوط ، وكانت هذه التركيبة الفريدة من الألوان كفيلة بإثارة اهتمام كل من رأى تلك الصفحات ، فأظهرت القيمة الروحية لهذا المصحف المستمدة من الوانه بشكل أذهل العقول والألباب ، وقد تعود أصول مخطوطات المصحف الأزرق إلى العراق في العهد العباسي.
تخمينات وظنون

وبعضهم يعتقد أنه كُتب في الأندلس تحت الحكم الأموي،وآخرون يعتقدون أن أصوله تعود إلى مدينة القيروان في العهد الفاطمي ،وأخرون يعتقدون أنه يعود إلى بلاد فارس أثناء الخلافة العباسية،على الرغم من أنه قد يكون من المقبول أنه تم إنتاجه في أواخر القرن التاسع إلى منتصف القرن العاشـر، إما في قيروان تونس أو قرطبة إسبانية.
وقد أجمع علماء المخطوطات على أن الشخص الذي كتبت مخطوطة المصحف الأزرق لصالحه لابد وأن يكون من علية القوم في وقت كتابتها ،ولا يقل عن مقام الخليفة نظراً لأن التقنيات المستخدمة في إنتاجها تقنيات مكلفة جداً بمعايير الزمن الذي أنتجت فيه.
وقد ذكر البعض منهم أنها صنعت في بغداد لصالح الخليفة العباسي هارون الرشيد (1 مُحرَّم 149 – 3 جُمادى الآخرة 193هـ / 19 فبراير 766 – 24 مارس 809م) بهدف وضعها في مقبرته عند مماته
والبعض الأخر يؤكد على أنه تم إنتاجها لشخصية رفيعة المستوى في البلاط العباسي في بغداد أوائل القرن التاسع الميلادي ، وفريقا ثالثاً يؤكد على أنها أنتجت لصالح شخصية فاطمية مرموقة في مصر أو إحدى بلدان شمال أفريقية.
*شاعر وناقد – مصر
يتبع لاحقاً ..
نقلا عن تراثنا – العدد 96


