حضارية لغة القرآن (الحلقة 3)
مواجهات مصيرية مع الشعوبيين

تراثنا – د . محسن عبد الحميد :
تصدى د . محسن عبد الحميد – يرحمه الله – لحملة شعواء شنها من وصفهم بالشعوبيين ، من المجوس الفرس والمستشرقين ، المتربصين باللغة العربية ، بدعوى أنها غير حضارية ، يستهدف أصحابها القضاء على الشخصية الإسلامية ، بدءا من لغتها ، وصولاً إلى اتهام الإسلام ، بأنه نزل بلغة ركيكة “صحراوية” لا تواكب العلم وأنه ليس كتابا منزلاًً ..

وفي الحلقة الثالثة، يستكمل د . عبدالحميد شرح سرديته حول دور الاستعمار الغربي في تغذية خطط الشعوبيين ،ويشرح في هذه الحلقة أوائل الغربيين الذين سعوا إلى استبدال الكتابة والخطابة في مصر من العربية إلى العامية الدراجة !
ثم تعالي معي ..يا قارئي الكريم ، لنرى من كان هؤلاء الذين دعوا إلى هذه الجريمة النكراء ، ومن كان هؤلاء الذين نفخوا في رماد نارها المجوسية .
جواسيس ومستشرقين
وبقليل من البحث والتمحيص ، وتدقيق حواد التاريخ ، نري أن هؤلاء كانوا من الأجانب والمستعمرين وجواسيسهم وكتابهم ، وكانوا من المستشرقين الذين كانوا يعملون في وزارات خارجية دولهم ، والدين نشروا فكرتهم الخبيثة في ظل حكم الاحتلال والظلم ، فتبناها بقوة وشراسة عملاؤهم وتلامذتهم من الحاقدين من غير المسلمين الذي أكلت الأحقاد على هذه الأمة المؤمنة قلوبهم ، ثم الداء العضال إلى أقلام مرتدة ممن ينتمون إلى هذه الأمة :”جغرافياً” وليس ” انتماء إيمانياً حضارياً ” .
أول من فكر بنبذ العربية الفصحى

يحدثنا التاريخ ، أن أول من فكر في ذلك مستشرق ألماني كان يشتغل في دار الكتب المصرية ، يقال له (ولهلم سبيتا) عام 1880م ، نزل في مصر ، وعاش فيها مدة من الزمن ،و تعلم اللهجة المصرية العامية ، فدفعته الدوائر الاستعمارية المعادية للأمة إلى تأليف كتاب سماه ( قواعد اللغة العامية في مصر) .
مسألة حياة أو موت لمصر
كشف في مقدمته عن الغرض الذي يرمي إليه ، بقوله : (وأخيراًُ سأجازف في التصريح عن الأمل الذي يراودني على الدوام طول مدة جمع مادة هذا الكتاب ، وهو أمل يتعلق بمصر نفسها ، ويمس أمراً هو بالنسبة لها وإلى شعبها يكون يكون مسألة حياة أو موت (كذا) ، فكل من عاش فترة طويلة في بلاد تتكلم العربية يعرف إلى إي حد كبير تتأثر كل النشاط فيها بسبب الاختلاف الواسع بين لغة الحديث ولغة الكتابة) .
ثم يقول : (ففي مثل تلك الظروف لا يمكن مطلقاً التفكير في ثقافة شعبية ، إذ كيف يمكن في فترة التعليم الابتدائي القصير أن بحصل المرء حتى على نصف معرفة بلغة صعبة جداَ كاللغة العربي الفصحى (كذا) .
الكتابة بالعربة كتابة عقيمة !

ثم ينتهي كلامه بخبث واضح :(وطريقة الكتابة العقيمة ، أي بحروف الهجاء المعقدة ، يقع عليها بالطبع أكبر قسط من اللوم في هذا ، ومع ذلك فكم يكون الأمر سهلاً لو أتيح للطالب أن يكتب بلغة ، إن لم تكن هي لغة الحديث القائمة ، فهي على كل حال ليست العربية الكلاسيكية القديمة ، بدلاً من يجبر على الكتابة بلغة من الغرابة بالنسبة إلى الجيل الحالي من المصريين ، مثل غرابة اللاتينية بالنسبة إلى الإيطاليين ، وبالتزام الكتابة العربية الكلاسيكية القديمة لا يمكن أن ينمو أدب حقيقي ويتطور).
المقتطف تدعو إلى نبذ الفصحى !
وقد قامت مجلة المقتطف التي كانت تسيطر عليها العناصر المناصرة للاستعمار الإنجليزي في مصر بالدعاية لهذه الفكرة بقوة ، وتبنت كتاب (سبيتا) ودعت الناس إلى كتابة الآداب والعلوم والمعارف باللغة التي يتكلم بها الناس في حياتهم ، وترك الفصحى !
اليازجي يؤيد العامية

واندفع الكاتب اللبناني خليل اليازجي إلى تأييد هذه الفكرة الهدامة بقوة وحرارة ، وقد قام كاتب ألماني آخر في مصر أسمه كوراس في سنة 1890م ، بتجديد الدعوة للعامية ، وألف كتابه المعروف (اللهجة العامية الحديثة في مصر) !
يتبع لاحقا ..
كاتب وكتاب

مقتطف من رسالة (اللغة العربية بين شعوبيين) كتبها د . محسن عبدالحميد – يرحمه الله – تقع في 23 صفحة حجم صغير ، طبعة عام (1397هجري – 1977م) ، الناشر : مكتبة القدس – بغداد ، مقتنيات مكتبة مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت .
تواصل مع تراثنا
