• Post published:السبت 14 ربيع الأول 1447هـ 6-9-2025م

 

 

الحلقة الرابعة والأخيرة

علم تحقيق المخطوطات وتكسب الدخلاء

 

مكتبة قسم الفهارس العالمية في مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت

 

تراثنا – د . مقبل التّام الأحمدي * :

 

أبدى د. مقبل التام الأحمدي امتعاضه الشديد في مقال موسع كتبه لما آل إليه حال العاملين في حقل تحقيق المخطوطات في الوقت الحاضر مقارنة مع الأقدمين  .

ونعت د. الأحمدي هذه الاصناف بأنها تنتهج التربح والتكسب من مهنة التحقيق ،  حيث عمل بها من لا يجيدها ، فتحولت من رسالة سامية إلى عمل ومهنة يزاولها سواد الناس كما جاء في الحلقة الاولى نشرتها تراثنا .

 

د . مقبل التام الأحمدي
د . مقبل التام الأحمدي

 

بعد استعراضه في الحلقة السابقة تصنيفات ومسميات عدة من أطلقها على من يعملون اليوم في اخراج النصوص ، يختتم مقاله بمناشدة يدعو فيها العلماء الذين يمثلون (البقية الصالحة) في هذا المجال ،إلى وضع ضوابط لأصول علم التحقيق وفروعه لكي تعتمدها المؤسسات الرسمية لمنع ما وصفه بالشر المستطير القادم !

الجيل الصاعد قادم من الخليج العربي 

 

مكتبة مخطوطات نادرة
مكتبة مخطوطات نادرة

وفي الحلقة الرابعة والأخيرة يقول د . الأحمدي :

 

وبرغم قتامة كل ما تقدم ، فثمة مواهب مفردة ما تزال في الشام والعراق ومصر والمغرب العربي وغيرها من البلدان ، بل أن ورثة علم التحقيق اليوم ، قد يكونون هم الجيل الصاعد في الخليج العربي ، حيث الاستقرار والاقتدار ، ووجود المكنة الصريحة ، والاستطاعة الظاهرة ، فهم اليوم من يقتنون نوادر الكتب ،ويبذلون المال لتحصيل المظان ، في الوقت الذي صار غيرهم في أصقاع شتى ولأسباب مختلفة يبذلون العلم لتحصيل المال .

 

ويحسن قبل إنهاء هذا العرض إطلاق دعوة جادة تُصان فيها كرامة المحققين عن طريق إنشاء ( مركز تحقيق نوادر المخطوطات ونشرها) .

 

وفي إحدى العواصم ذات الريادة والعناية بكل ما يعين على نهوض هذه الأمة وبعث تراثها وإحيائه ، فيكون لهذا المركز مشروعات متميزة في العناية بالتراث العربي وتحقيقة ونشره ، وفي ترويح علوم اللغة العربية وآدابها على أيدي البقية الصالحة من ورثة علم التحقيق.

 

الأفتقار إلى الفهرسة

 

كتابة التاريخ وتدوينه
كتابة التاريخ وفهرسته وتدوينه

 

وليس يخفى أنه مازالت ألوف مؤلفة من المخطوطات العربية والإسلامية النفيسة والنادرة ، مما سعى إلى تطلابه واستجلابه من أصقاع وأمصار شتى ، ثم جمعه وحفظه ، لا تجد طريقها إلى التحقيق الجاد  والعناية اللائقة بها طبعاً ونشراً، بل يفتقر كثير منها إلى الفهرسة العلمية التي تمكن الباحثين من العثور عليها ومعرفة ما فيها فحسب .

 

ومازال في كثير من العلوم العربية والإسلامية ثغراب وفراغات من المصادر الأساسية التي اعتمد عليها من سبقنا ، ويحتاج إليها علماء هذا العصر في أعمالهم ، وفي استكمال الصورة الكاملة لعلومهم ، تروي ظمأهم ، وتنقع صداهم ، وتقنع طموحهم ، بل وإن كثيرا من المنشور في هذه العلوم ،ومازل دون ما تستحقه تلك الكتب الأمهات من الخدمة والبحث والتمحيص .

 

تسهيل الوصول الى التراث

 

وبرغم أنه قد بُذلت جهود كبيرة منذ عُرفت الطباعة بالحرف العربي للعناية بالتراث العربي فهرسة وتعريفاً وتحقيقاً ونشراً ، فما زال الطريق طويلاً ، والجادة لاحبة ، في كل نواحي العناية بهذا التراث العظيم ، وليس أقل هذه النواحي ، بل لعله أخطرها ، تعريف الناشئة وشُداة الباحثين بهذا التراث ، ونقل الخبرات إلى جيل جديد من المتشوقين إلى الأطلاع على تراث في صيانته ونشره ، وفي رؤيته في أيدي طالبيه سهل المأخذ قريب التناول ، يسر النظر ، يصح به الخاطر .

 

أخراج التراث من مكتبات النخبة

 

وإن العناية بالتراث وفنونه وعلومه ، لا يمكن أن تُؤتي ثمارها المرجوة بجلب المخطوطات من بلد إلى بلد ، أو بتغيير أماكن مبيتها وسكناها ، حتى لو أجتلبت من أقاصي الأرض إلا بنشرها محققة مكسوة حُللا قشيبة ،و أن تخرج من محابسها في بطون الكتب ومخابئها في رفوق المكتبات ، ومن دوائر النخب المتخصصة ، إلى رحابة المجتمع ، وحيوية التداول والتفاعل ، خصوصا بين شباب الباحثين المثقفين ،وإلى أدوات العصر البصرية السمعية ، وشبكات التواصل المشاركة ، والتي صارت في كل يد ، ولها إيقاعها وأدواتها العصرية.

بلاء مستطير

 

وخلاصة الأمر ،  أن مسمى التحقيق صار مدخلاً للإساءة إلى التراث ، وقد رأيت ذلك بأم عيني ، إذ مر بي ذات يوم أحدهم ، عندما كنت وكيل وزارة الثقافة لقطاع المخطوطات ودور الكتب في الجمهورية اليمنية ، وقد كان قد نشر كتاباً تحت مسمى التحقيق ، فأراني إياه ، وهو به علي مُدل ، فلما استعرضته وجدته يدل بما على جهله يدل ، فلا ضبط فيه إلا للفظ الجلالة ، ولا تحشية إلا لترجمة الأنبياء ، ولا فهارس إلا للقارات والعواصم ، فعلمت وقتها إن البلاء مستطير ، وأن الخروج منه في أمد قريب غير يسير ، وأن التراث والتاريخ في مهب الهواء والريح.

 

مطلوب شهادة كفاءة

 

ولذا فإني أدعو اليوم البقية الصالحة من العلماء إلى وضع ضوابط لأصول هذا العلم وفروعه ، يحملون فيها المؤسسات الرسمية في الدول العربية على ضرورة اعتماد مستوى (الكفاءة في التحقيق) ، فلا يصدر كتاب في التحقيق إلا بعد حصوله على شهادة الكفاءة ،علّه يسلم لنا ما بقى من تراث أمتنا غير محقق ، أو تسلم النصوص المحققة التي يسطو عليها اليوم أُجراء دور النشر ذريعة نفاد الطبعات القديمة ، وضعها من قبل علماء الأمة.

 

 

* د. مقبل التام الأحمدى 

 

 

نقلا عن تراثنا – العدد 94

أنقر للمطالعة

 

 

غلاف مجلة تراثنا في عددها رقم 94 الصادر في ( ذو الحجة 1446هجري - يونيو 2025م) .

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

تواصل مع تراثنا 

 

 

اترك تعليقاً