الحلقة الخامسة
فن التجليد والتذهيب

تراثنا – عرفه عبده علي* :
في الحلقة الخامسة ، نستأنف دراسة ازدهار فنون تذهيب المصاحب والكتب والمخطوطات وتجليده في الحضارة الإسلامية ، مع ذكر جانب من أبرز الشخصيات التي تصدرت هذا الفن العريق .

التغليف على الطريقة القبطية
واستخدام الجلد في تغليف المصاحف والمخطوطات قام في البداية على التقاليد الحبشية والقبطية السابقة على الإسلام ، فكانت أغلفة المصاحف في أول الأمر تصنع من البرديات القديمة التي أستنفذت أغراضها ، ثم استغنى عنها ، فيلصق بعضها إلى بعض ، بحيث تصبح سميكة ، أو أشبه بالورق المقوى المعروف اليوم ، وكانت هذه الألواح التي توضع بين دفتيها أجزاء القرآن الكريم ، كلها أو بعضها ، تكسى بالكتان أو بالحرير .
الخشب بدل البردي

وحلت ألواح الخشب أحياناً محل ألواح البردى ،واستعملت أول الأمر خالية من كل زخرف ، ثم مستها يد الفن بعصاها السحرية ، فزُينت بأشرطة رقيقة من الذهب أو الفضة ، تُثبت فوق لوح الخشب فوق أجزاء مختلفة منه ، ثم غطيت الألواح كلها بصفائح من هذين المعدنين ، ووضعت أحياناً بالأحجار الكريمة !
وزُينت الأغلفة الخشبية أيضاً بفصوص صغيرة من العاج والابنوس ، ثبتت عليها بأشكال هندسية ، وظهرت الشرائح الجلدية لكي تحل مكان صفائح الذهب والفضة ، بل ولتستعمل أيضا في كسوة الألواح المتخذة من البردى ، وكان ذلك البداية الحقيقية لفن التجليد .
وزُخرفت شرائح الجلد بالزخارف النباتية والهندسية ، وأتبع المجلدون المسلمون في عمل هذه الزخارف طريقة الضغط على الجلد بآلة خاصة ، وتعرف هذه الطريقة عند أهل الصنعة بطريقة ” الدق” ، ويترتب على استعمالها أن يبقى سطح الجلد العلوي حافظاً للونه الأصلى ، في حين يكتسب السطح المضغوط لون غامقاً من أثر الضغط عليه ، وقد يستعمل الذهب في زخرفة هذه الشرائح الجلدية بأن تلصق عليها رقائق الذهبية مضغوطة .
مدابغ حجازية في مصر
وانتشرت صناعة التجليد في مصر منذ بداية القرن الرابع الهجري 100 م ، فقد أشارت مصادر تاريخية إلى أن أناساً من الحجاز قدموا إلى مصر ، وأقاموا في حارة الحسينية بالقاهرة ، حيث أنشأوا مدابغ صنعوا فيها جلوداً ، على نمط جلد “الطائف “، وازدهر فن التجليد في بغداد خلال العصر العباسي ،وكانت مدن العراق كلها تزخر بخزانات الكتب في القرنين الرابع والخامس الهجريين ” 10 – 11م ) ويعتقد أن كتبها فقدت خلال غزوات المغول المدمرة في القرن السابع الهجري “13م” .
عهد بني طولون والمماليك

وأقدم النماذج المعروفة لفن التجليد الإسلامي ظهرت في مصر وتونس ، ويبدو أنها ترجع لعهد بني طولون (868 -905م) ، ويظهر تشابه كبير في كل فنون التجليد الإسلامي المصنوعة في القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الميلادي .
وقد استمر هذا الوضع نسبياً في القرن الرابع عشر الميلادي أيضاً ، وازدهر فن التجليد في كل من مصر والشام خلال العصر المملوكي ، واتخذت زخرفة الغلاف نمطاً ثابتاً ، من حيث تقسيمه إلى متن وإطار وركن ، واشتماله على لسان خماسي الاضلاع وبطانة مزخرفة ،وتميزت بالزخارف النباتية والهندسية المتشابكلة ، التي تغطي جلدة الغلاف ، وبالإضافة إلى عمل نقاط ذهبية مضغوطة .
طالع الحلقة الرابعة :
بصمات العرب على فن تجليد المخطوطات والكتب في التاريخ
يتبع لاحقا ..
نقلا عن مجلة تراثنا – العدد 94

تواصل مع تراثنا

