الحلقة الرابعة
فن التجليد والتذهيب

تراثنا – عرفه عبده علي* :
في الحلقة الرابعة ، نستأنف دراسة ازدهار فنون تذهيب المصاحب والكتب والمخطوطات وتجليده في الحضارة الإسلامية ، مع ذكر جانب من أبرز الشخصيات التي تصدرت هذا الفن العريق .

فن تذهيب الكتب
التجليد أو التغليف ، ليس شكلاً طارئاً في علاقة العرب بصناعة الكتاب ، وكما ترتبط دلالة العنوان بمضمون الكتاب ، فإن الغلاف هو محتوى روح الكتاب ونصه ، فيجمع بين جمالية الشكل وجاذبية الروح ،و هو مفتاح عقل القارىء في علاقته المزاجية مع الكتاب ، وفي هذه الحلقة نستكمل مظاهر فن تذهيب الكتاب وفنونه وكيفية انتشاره وابرز العاملين فيه.
الدافع الأول

وقد استخدم المسلمون معارفهم في صناعة الورق والجلد في إطار اهتمامهم الخاص ب ” القرآن الكريم” ،وبدأوا في التفنن في طباعته وتجليده حرصاً على صفحاته الثمينة من التلف والضياع بما أخذوه من الصين من مهارات صناعة الورق وفنون التجليد .
كسب العيش
ويؤكد اليعقوبي ( 891م) أنه كان في زمانه أكثر من 100 بائع للكتب (ورّاق) في بغداد ،وأن محلاتهم كانت مراكز للنسخ والخطاطين والفنانين العاملين في زخرفة أغلفة الكتب وتجليدها ، وكان كثير من طلاب العلم يكسبون عيشهم عن طريق نسخ المخطوطات وبيعها للوراقين .
صناعة التجليد في العالم القديم
ومما له دلالته أن صناعة الكتاب من ورق وتجليد أُدخلت إلى أسبانية في القرن الثاني عشر ،واتخذت لها مركزاً في طليطلة ، ومنها انتشرت تحت رعاية مسلمي الأندلس إلى ممالك أسبانية المسيحية ، وفي الوقت نفسه الذي تعلم فيه الإيطاليون أيضاً فن صناعة الكتب من مسلمي صقلية ، يؤكد مؤرخو صناعة الكتابة والتجليد أن أول وثيقة أوروبية مسجلة على الورق إلى الملك روجر الصقلي ترجع إلى عام (495 هجري/1102م ).
أول كتاب تم تجليده
ويُعتبر مصحف عثمان أول كتاب تم تجليده ، كما أخذ أهل القروان من الأقباط التجليد المزخرف بأشكال الزهور ،واشتهرت قرطبة بجلودها الفاخرة ،وحقق فن التجليد عند العرب تطوراً كبيراً في بلاد الشام ومصر ، ومنها انتقل إلى المغرب والأندلس وتركية .
أعلام المجلدين العرب
ومن أشهر المجلدين العرب ابن هياج وابن الحريشي ، ولم يكتف العرب بالقدر الذي أخذوه عن فن التجليد من الأقباط في مصر ،والصينيين في شرق آسية ، وإنما تركوا بصماتهم واضحة على هذا الفن .
بصمات المجلدين العرب

ومما أضافوه إلى هذا الفن ، الشمسية ،التي وضعوها في وسط غلاف الكتاب والمغرب واللسان الذي يحفظ ويحدد الصفحة ، ويحفظ مقدمة الأوراق ، والتزيين الخلفي ،والطبع بالخاتم ، وتلوين الحلقات ، و الشرازي التي تجمع الملازم ، وأوجد العرب الطيارة ، أو الجزرة الموصولة بالجلد ، والتي عليها تعليقات العلماء والأساتذة والطلاب ، وهي مربوطة في الوسط عند البحث عن ورقة ممسوكة بقطعة من القماش سموها “الشيرزة” ، يستطيع التلميذ أن يعود إليها ليستدرك ما علق عليها أستاذه .
العرب عرفوا الجلود قبل الورق
وقد كانت معرفة العرب بالجلود وأنواعها وصناعتها سابقة على معرفتهم بالورق ، إذ أن أقدم أغلفة الجلود التي وصلت إلينا ، يرجع إلى القرن الرابع الميلادي ،وهو ما حفظ مجموعة من أوراق الوصف الفني ، فقد ظهرت على يد الأقباط من مصر ، وعلى يد الأويغور في آسية الوسطى في القرنين الثامن والتاسع الميلادي والتشابه كبير بينها .
- عرفة عبده علي : باحث ومؤرخ مصري له العديد من المؤلفات.
طالع الحلقة الثالثة :
العناية بالمصاحف وراء الاهتمام بفن التذهيب
يتبع لاحقا ..
نقلا عن مجلة تراثنا – العدد 93

تواصل مع تراثنا

