• Post published:الأحد 22 رجب 1447هـ 11-1-2026م

الحلقة الأولى 

حضارات سادت ثم بادت 

 

كاتدرائية رويحة
كاتدرائية رويحة

 

تراثنامأمون عبداللطيف الرحال * :

تعاقبت على سورية حضارات ومجتمعات بشرية عدة منذ آلاف السنين استقرت في مواقع جغرافية مختلفة، ففي المنطقة الواقعة شمالي غربي سورية والممتدة على مساحة 5500 كيلومتر مربع بين محافظات حماه وحلب وإدلب توجد مجموعة من المستوطنات الأثرية المهجورة تعد من أكثر تجمعات المناطق الأثرية كثافة في وحدة المساحة.

 

 

مأمون عبداللطيف الرحال
مأمون عبداللطيف الرحال

ومن أكبر وأجمل وأهم الحضارات والتجمعات الأثرية في العالم، وهي عبارة عن مئات من المدن والقرى الأثرية رومانية وبيزنطية تعود للقرون الأولى الميلادية. فعلى الرغم من عمرها الزمني الذي يزيد عن ألفي عام إلا أنها لا تزال قائمة واضحة المعالم مع كل عمليات التخريب الطبيعية والبشرية التي تعاقبت عليها.

 

أُطلِقَ على هذه المدن تسميات عدة منها: مدن الشمال الميتة والمدن المنسية والقرى القديمة في شمالي سورية.

 

خراب شمس

تتصف هذا القرى بهندسة عمارتها الرائعة التي بنيت وفق اسلوب معماري واحد لتكون فناً من فنون العمارة السورية وليميزها عن فن العمارة الكلاسيكية اليونانية والرومانية.

 

امتازت مبانيها السكنية بالبساطة إذ تتألف من طابقين أو أكثر وهي محاطة بجدار خارجي ذي بوابة كبيرة، حيث استخدمت غرف الطابق الأرضي كمستودعات لتخزين الحاصلات الزراعية وحاجات الأسرة، ولإيواء حيواناتهم أيضاً، أما الطابق الأول فقد استخدم للسكن. وتتقدم هذه الغرف أروقة محمولة على أعمدة مزينة بتيجان متنوعة، كما جرى استخدام زخارف متعددة مثل الحلي والأفاريز والشرائط المنحوتة من الحجر الكلسي في تزيين المباني، خاصة على سواكف الأبواب والنوافذ.

 

أسلوب زخرفة بيوت هذه القرى من الداخل والخارج فريد لا مثيل له في العالم، أرضيتها مفروشة بسجادة رائعة من الفسيفساء المعتمدة على الرموز الروحية والزخرفة النباتية والحيوانية.

 

أما أحجارها فقوية وجميلة منحوتة بدقة، مقتلعة من صخور الحجر الجيري التي تغطي الجبال والتلال والوديان الممتدة حتى الأفق وما بعده على المنطقة المحيطة بتلك المدن حيث الجبال السبعة التي يطلق عليها تسمية الكتلة الكلسية المتميزة بصخور جبالها البيضاء والممتدة من الشمال إلى الجنوب بطول 140 كم وعرض يتراوح بين 20-40 كم هي كتل جبال سمعان والحلقة وبريشيا والأعلى والدويلة والوسطاني والزاوية.

 

بين قمم هذه الجبال وسفوحها ووديانها تتوزع أطلال هذه القرى المبنية من حجارة المكان دالة على نشاط سكاني واقتصادي مزدهر ساد تلك البلاد قرونا قبل أن يتراجع وينحدر نتيجة الغزوات المعادية والحروب التي اجتاحت تلك المنطقة ومحيطها مؤدية بالتالي إلى توقف نشاطها الزراعي والتجاري ورحيل أهلها عنها وهجرانها.

 

الزائر لهذه القرى سيعود به الزمن للماضي مئات وربما آلاف السنين وهو يمرّ وسط جمال الطبيعة بين أطلال مباني سكنية وكنائس ومعابد وتوابيت قديمة، ومدافن، ومعاصر زيتون، ودور ضيافة وحمامات وأسواق وغيرها، لا تزال قائمة وسط غابة من أشجار الزيتون والكرمة التي نشط سكان تلك المنطقة في زراعتها.

 

آثار جبل سمعان، إحدى الأوابد المنسية في سوريا
آثار جبل سمعان، إحدى الأوابد المنسية في سوريا

 

كانت لمقولة الماركيز الكونت دي فوجيه: أنه بمجرد رؤية المدن، «يعود المسافر إلى حضارة مفقودة ينكشف له كل سر منها».

 

كان لمقولته هذه الأثر الكبير في لفت انتباه الغرب إليها قبل أكثر من قرن ن ونتيجة لذلك تتابعت بعثات الاستكشاف والتنقيب الغربية على هذه القرى دراسة وتحليلاً وبحثاً واستكشافاً منذ منتصف القرن التاسع عشر، بعد أن أشار إلى هذه القرى الكونت دي فوجيه في كتابه (سورية المركزية، عمارة مدنية ودينية من القرن الأول إلى القرن السابع الميلادي).

 

ثم تلتها في بداية القرن العشرين البعثة الأثرية الأميركية من جامعة برينستون بإدارة باتلر بدراسة بعض هذه المواقع ونشرت عنها دراسات قّديمة صدرت تباعاً أهمها (الكنائس الأولى في سورية). ثم جاءت دراسات الجامعة اليسوعية في لبنان بإدارة جوزيف ماتيرن وصدر عنها كتاب بعنوان (المدن الميتة في شمالي سورية).

كنيسة ست الروم المهجورة، تعود للقرن الرابع الميلادي في شمال سوريا.
كنيسة ست الروم المهجورة، تعود للقرن الرابع الميلادي في شمال سوريا.

وفي مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين أجرى جورج تشالينكو دراسات معمّقة غيّرت بعض المفاهيم التي كانت سائدة قبله، ولاسيما تلك التي تتعلق بمصطلح المدن الميتة الذي ألغاه، واعتمد مصطلحاً جديداً في كتابه الذي نُشر بعنوان (القرى القديمة في شمالي سورية).

 

كانت هذه الدراسات الأولى التي شملت جميع العناصرالمكونة لهذه الأرياف وما تزال حتى اليوم أحد أهم أركان الدراسات الحديثة حول هذه القرى.

 

وفي نفس الفترة قدّم جاك لاسوس بعض الدراسات المتعلقة بالكنائس، وجاءت دراسته المهمة حول الكنائس المسيحية في سورية لتوضح للمرة الأولى تحليلاً لبعض الممارسات الدينية في هذه الكنائس اعتماداً على الملاحظات الأثرية.

 

واعتماداً على تحليل المعطيات التي جاء بها تشالينكو قام جورج تات مدير البعثة الأثرية الفرنسية بدراسة الأهمية الاقتصادية والاجتماعية وتحليلها لفهم تطورالقرى في شمالي سورية، مضيفاً إليها المعطيات الأحدث ومستخدماً منهجاً علمياً جديداً للوصول إلى فكرة جديدة حول تطور الكتلة الكلسية بين القرن الأول والقرن السابع الميلاديين وحسب رأيه فإن حركة استيطان واستصلاح الأراضي الجبلية في هذه القرى كانت قد بدأت من قبل الريفيين السوريين الذين قدموا من السهول المجاورة منذ مطلع القرن الأول الميلادي، وبسبب التزايد السكاني لهؤلاء الريفيين، وبفضل الحصول على مزارع جديدة، ازداد غناهم وخاصة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين معتمدين على زراعة الزيتون والكرمة، وبالتالي أدى ذلك إلى تطور كبير في الفن المعماري لهذه القرى ومظاهرها الخارجية الغنية بالعناصر الزخرفية الجميلة.

 

 

* كاتب من سوريا 

 

يتبع لاحقاً… 

نقلا عن تراثنا -العدد 96

انقر للمطالعة

 

غلاف مجلة تراثنا في عددها 96 - جمادي الآخرة 1447 هجرية - ديسمبر 2025 ميلادية

 

 

هواتف مركز المخطوطات والتراث والوثائق - الكويت

 

تواصل مع تراثنا

 

 

اترك تعليقاً