أدب الرحلات (الحلقة الثانية) والأخيرة
“رحلة صيف” لخليل بن عبده مطران

تراثنا – د . محمد بن إبراهيم الشيباني * :

استل هذا البحث من “مجلة الزهور” اللبنانية (4 / 401، مج 1) ، سنة 1913م ،تقع في أربعة مجلدات للسنوات :” 1910م – 1913م” حيث نتوقف مع مقالة للكاتب اللبناني خليل بن عبده مطران الذي عُرف بلقب شاعر القطرين حيث قضى أغلب فترات حياته في مصر .

في الحلقة الثانية والأخيرة ، نواصل السياحة مع مطران، الذي نصحه طبيبه بقضاء فترة نقاهة بين الطبيعة النقية ،والهواء المنعش ، فما كان منه أن وصل إلى الأسكندرية ،ومنها الى قرية (المكس) بالعجمي حيث سطر لنا مشاهداته هناك في مقالة كتبها بنوان ( رحلة صيف)، فيقول :
ما أحوج الإنسان إلى الأيمان!

هذا كل ما رأيته من جانب ، أما الجانب الأخر ، وهو الذي ينتهي إليه ” الترام” (1) قادماً من الاسكندرية ، فالذي استلفتني أمران ، أحدهما وجود حمّام هناك واسع متقن ، ومنتديين للشرب ، هذا من خشب قائم فوق الحمّام ، وذاك مبني من الحجر على شكل سرادق رحيب ، بينه وبين الحمّام خطوات .
وفي كل مساء يستقدم أصحاب هذين المنتديين جوقتي موسيقى لاطراب الحضور ، الواحدة منها أرمنية (2) تضرب ألحاناً شرقية وألحاناً غربية ، والأخرى أفرنجية ، تضرب ألحاناً إفرنجية مختارة بإتقان لا تبلغه الأولى ، ولكن الحانة الأولى التي فوق الحمام يزدحم الناس فيها ألوفاً كل يوم ، بخلاف الأخرى التي بجانبها ، فلا يجتمع فيها إلا أفرادً ، ولو شئت أن أفصل أسباباً لنجاح هذه وفشل تلك ، لفعلت ، ولكن مذهبي أن السبب الذي ترجع إليه تلك الأسباب بجملتها هو السبب نفسه ألذي تشقى به أحياناً أمة صالحة ،وأرض خصبة ، وعمل متقن ، وتسعد به أمة فاسقة ،وأرض قاحلة ، وعمل ناقص ، قسمه ما شئت .
ويذكرني نجاح قهوة الحمام قهوة أخرى أنشئت في المنازل منذ تسع سنين ، اي حينما مُد الخط الحديدي إلى المكس ، فكنا إذا شئنا التنزه ركبنا القطار إلى المنازل ، ووجدنا الناس مزدحمين وقوفاً وجلوساً ، والمكاسب تتدفق على صاحب المكان من كل صوب
فلما أفتقدتها هذه المرة ، وجدتُ خربة ساكنة ، يتحرك في بعض جوانبها آناَ بعد آن فاعلٌ يحمل تراباً أو صانع يضرب قطعة خشب ، كما تتحرك الجرذان الجسيمة في بعض الخرائب العتيقة .
والسبب !
ذلك أن وجود “الترام ” قتلها ، لأنه عطل على الخط الحديدي فأبطله ، و”الترام ” لا يمتد إليها ، بل هو بعيد عنها ، فأي سبب ترد إليه أمثال هذه الانقالابات التي تكون في عالم الغيب ثم تفاجىء من حيث لا تظن .
أما الأمر الثاني الذي استوقفني وشجاني ، فهو ما رأيته على كثيب ممتد شبه القتب (3) بين البحر وبين طريق “الترام” من المدافع القديمة أدوات الدفاع عن مدخل الثغر (4).
تدل مراكز هذه المدافع على أنها كانت منصوبة وراء القتب ، كما تُنسق الإبر في ورقتها ، وكلها من الطراز الضخم ، إذا أقبل عليها الناظر من بعيد ظنها بعض الوحوش الضارية من أسد ونمر وفهد ، فإذا دنا منها لم تزل مهابتها من قلبه ، ولكنه رأى الموت قد مد عليها كفناً من أشعة النهار وأنداء الليل ، ثم طبع عليها أصابعه ، فهي منقطة بنقط صفراء نحاسية ، وخضراء طحلبية ، على قشر عائم صادىء ، ومنها ما انكسرت له ساق ، فانقلب على جانبه ، ومنها ما أصابته ضربة في شفته ، فانشقت وألتوت ، ومنها ما أدلى بعنقه الطويل إلى التراب ، فكأنه يعضه في أحشائه .
منظر موت وخراب وعار

دنوت من هذا الاشياء وأنا أسيفٌ أرسل النظرة إلى الغيب ،فأرى بها أمم الشرق كلها مجتمعة تدب دبيب الحشرات لاصقة الجباه بالأرض من الضعف والجبن ودناءة المطالب ، وأطلق الزفرة من صدري ، بأؤبن بها مجدأً عظيماً ملأ العالم زمناً ، ثم دفنه ذووه في بعض زوايا الترك والاهمال ، ووكلوا إلى الذين ابتلوا به قديما أمر البحث عنه وجلاء آثاره التي غالها الصدأ وغشيها نبات النسيان ، حتى نخرها إلى الصميم ،واذرف العبرة فأبكى سماء انطوت طيُ الجلباب ،ونجوماً غارت في التراب ،ومعالم عامرة صارت إلى تباب .
ثم وضعتُ رجلي على عنق الكبير من تلك الضواري الجامدة ، واثقلت وطأتها عليه وقلت : يا أيها الأسد جُعلت لزئير فاستنبحوك ، وللافتراس فكمموك ، وللوثب فقيدوك ، فليسنج العار عليهم مثل ما نسج على جلدك ، فإذا نهشتك الأيام نهش الكلاب الشلو ، فيشهد عليهم على كل أثر في البلاد من بعدك ، فإنهم خفضوا راية ،و أضاعوا جيش بر ،وأغرقوا أساطيل بحر ،وأذلوا أمة ، وأضاعوا وطناً.
هذا كل ما في المكس من قديم وجديث وهو قليل ، غير أن مناظر الطبيعة فيها غاية ما يُتمنى ، ونقاوة الهواء وصفاء الطبع وسلامة المعيشة من المصطلحات المتعبة ، أفضل وساء التعافي والسرور ونشاط النفس .
طالع الحلقة الثانية :
الأديب خليل مطران يحكي ذكرياته في رحلة صيف
هوامش :
1- الترام : حافلة الركاب التي تسير على الحديد داخل المدن .
2- ارمينية : كانت من دول الاتحاد السوفييني ثم استقلت عنه .
3- القتب : الحل الصغير على قدر سنام البعير ، المعجم الوسيط ( 2 /714) .
4- الثغر : الموضع يخاف منه العدو ، ومنه سميت المدين على شاطىء البحر ثغراً ، المعجم الوسيط ( 1 /97) .
نقلا عن تراثنا – العدد 94

لاقتناء نسختك

تواصل مع تراثنا
