الحلقة الثانية
فضل الحضارة الإسلامية على الغرب

تراثنا – أ.م.د . محمد أحمد عنب * :
منذ فجر التاريخ، ارتبط الإنسان بالسماء والنجوم، يقرأ حركتها ويستدل بها على مساراته في الحياة، حتى نشأت علومٌ متخصصة في فهم الظواهر الجوية والتنبؤ بها.

نستأنف في هذه الحلقة ، علم الأنواء عند المسلمين ، بدايته والمؤثرات عليه ،والأمور التي تمت مراعاتها مما شكلت اضافات ابداعية إلى علوم من سبقهم ، والحقيقة أن لعلم الأنواء دوراً في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية .

فعلي الصعيد السياسي أسهم في اتخاذ قرارت الحروب ،وتحديد مواعيد الحملات العسكرية ، وفي المجال الاقتصادي ، كان له أثر بالغ لارتباطه الوثيق بالزراعة والصناعة وحركة الملاحة والتجارة ، أما في الجانب الثقافي ، فقد وظفه الأدباء والشعراء توظيفاً أدبياً بديعاً ، اضفى على أعمالهم بعداً فنياً مميزاً، كما استفيد من هذا العلم في المجال العمراني ، خاصة عند تخطيط المدن وتصميمها ، كما هو الحال في مدينتي سرقسطة وطليطلة وغيرها .
كما يُستفاد من علم الأنواء في توزيع وتخطيط العناصر والكتل المعمارية المختلفة ، ومثال ذلك تحديد مواقع المراحيض وأماكن الوضوء ، حيث يحرص المعماريون على وضعها خارج المنشآت الدينية ، مستندين إلى خبرة معمارية وملاحظة دقيقة لعلم الأنواء واتجاهات الرياح ، وذلك لتجنب وصول الروائح الكريهة غير المرغوبة إلى داخل العمائر الدينية ، ونقلها بفعل الرياح بعيداً عنها ،وقد شكلت هذه الممارسة قاعدة عامة في معظم المنشآت الدينية الإسلامية ، التزاماً بالقاعدة الفقهية الشهيرة ” لا ضرر ولا ضرار “، ويتوافق هذا النهج مع البعد البيئي الذي أشار إليه المؤرخ ابن خلدون في المقدمة ، حين ربط بين المناخ والظروف الجوية من جهة ، وعادات الشعوب وتقاليدهم وأنشطتهم المختلفة من جهة أخرى .
لم تتضح معالم اسهامات العلماء المسلين في علم الأنواء بمفهومه الحديث إلا في القرن الخامس قبل الميلاد ، حيث ألف فيه العديد من العلماء القدماء مؤلفات قيمة ، فقد وضع هيرودوت عام (440ق .م) كتاباً بعنوان تاريخ الطقس والرياح ، كما ألف ابقراط كتاباً يصف أحوال الجو بعنوان الأهوية والمياه والبلدان .
ويرى الباحثون أن ارسطو (ت 322 ق .م) ألف كتابه الشهير ميتيورولوجيكة الذي حدد في مجال اهتم هذا العلم بدراسة الظواهر الجوية وتغيراتها ، وتأثيرها في حياة الإنسان والنبات والحيوان ،وهي الظواهر التي تحدث ضمن نطاق الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية .
اسهامات العلماء المسلمون

وقد أسهم العلماء المسلمون في تطوير المفاهيم حول الظروف الجوية، فلم يتوقفوا عند حدود المفاهيم الإغريقية لهذا العلم، وإنما قاموا بتطويرها بالإضافات العديدة التي يمتلكونها من خلال إرثهم الجغرافي الكبير في المجالات الجوية سواء التي كانت تتم عن طريق الملاحظة المباشرة أو الاستنتاج.
ومن أهم العلماء المسلمين الذين اهتموا بعلم الأنواء وألفوا فيه؛ العالم أبو يحيى عبد الله بن يحيى بن كناسة (ت 207هـ/822م)، والأصمعي عبد الملك بن قريب (ت 216هـ/831م)، وأبو علي المرزوقي (ت 241هـ/855م)، والعالم أبو إسحاق الكندي (ت 256هـ/873م) مكتشف الدورة الهيدرولوجية، وله مؤلف مشهور بعنوان (رسالة في العلة الفاعلة للمد والجزر)، والعالم أبو حنيفة الدينوري (ت 282هـ/895م) وله كتاب مشهور يتحدث فيه عن تطبيقات علم الأنواء في مجال الزراعة بعنوان (النبات) وغيرهم الكثير.
* أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية المساعد – كلية الآثار (جامعة الفيوم)
طالع الحلقة الأولى :
علم الأنواء : إبداع علمي في سماء الحضارة الإسلامية
يتبع لاحقاً ..
نقلا عن تراثنا – العدد 96

تواصل مع تراثنا

