الحلقة الثانية
علم تحقيق المخطوطات وتكسب الدخلاء

تراثنا – د . مقبل التّام الأحمدي * :
أبدى د. مقبل التام الأحمدي امتعاضه الشديد في مقال موسع كتبه لما آل إليه حال العاملين في حقل تحقيق المخطوطات في الوقت الحاضر مقارنة مع الأقدمين .
ونعت د. الأحمدي هذه الاصناف بأنها تنتهج التربح والتكسب من مهنة التحقيق ، حيث عمل بها من لا يجيدها ، فتحولت من رسالة سامية إلى عمل ومهنة يزاولها سواد الناس كما جاء في الحلقة الاولى نشرتها تراثنا .

المحققون الشرفاء

وفي حين كال الكاتب التهم لأصحاب المصالح الدخلاء على فن التحقيق ، فأنه من جهة أخرى كال كل الثناء وأجلّه على فئة أخرى من المختصين بهذا العلم وفنونه ، ووصفهم باصحاب الغايات الشريفة !
في السطور التالية ، سوف نتعرف على صفات هؤلاء الذين استحقوا الثناء من الكاتب ولقب الشرف في السطور التالية ، إذ يستأنف حديثه فيقول :
على أنه كان فيما مضىى دور نشر ذات غايات شريفة ، حملت راية العلم والمعرفة ، وسخرت أموالا طائلة في نشر الثقافة ، وأسهمت في دعم العلماء ومساعدتهم ، والأخذ بأيديهم لا بأعناقهم أو أرجلهم كما اليوم .
فمن تلك المكتبات (مكتبة الخانجي الحلبي) لصاحبها محمد أمين بن عبدالعزيز الخانجي (ت 1939م) ، وكان عالماً بالمخطوطات ، باحثاً عن نوادرها وأماكن وجودها ،ومما يُحمد لتلك الدار أن صاحبها ساعد أحمد أمين الشنقيطي (موريتانا ، ت 1913م) فأعد له سكناً خاصاً في مبنى مطبعته ، وهيأ له وسائل التأليف والتحقيق ،وطبع جميع ما أنتجه من الأعمال الفكرية والأدبية واللغوية ، فكان للدار حظ فيما انتهى إليه أمر الشنقيطي ، إذ ذاع صيته في الآفاق ، وبلغت كتبه أقاصي الأرض ، وانتشر بين الناس علمه ، وفشا في الأمصار ذكره .
مستويات المحققين

ويمكن في عجالة توصيف من يعملون اليوم في إخراج النصوص إلى مستويات عدة ، منها :
- المستطيع بنفسه : وهو الذي أصاب طرفاً من علم ، وكان ذا اختصاص دقيق في فرع من فروع المعرفة ، وله إلمام بعلوم الآلة ، ومثل هذا يكون قادراً على إخراج التراث في حدود معرفته .
- المستطيع بنفسه المستعين بغيره : وهو أوفر الناس حظاً ، لأنه يجمع فوق الذي معه تجارب غيره ، فيختصر بذلك على نفسه الوقت والجهد ، وينتهبهما على سواه .
- المستطيع بغيره : وهو الذي يكون أمره هيناً ، ولكنه على صلة بالمستطيع بنفسه ، فيستفيذ منه على أنحاء مختلفة ، كالتوجيه ، والاحتذاء ، وحل المشكلات ، واقتباس العبارات ، والقياس على أعماله ، وغير ذلك .
- ذو الموسوعية :وأرباب هذا المستوى هم الرواد الأوائل من المحققين ، الذي كانوا محيطين بعلوم وفنون شتى ، كالميمني ومحمود شاكر وحمد الجاسر وغيرهم ، فكان عليهم وعلى أعمالهم المعول في نشر كثير من علوم العربية .
- المتوارث الصنعة : وقد يكون المتوارث في الأسرة الواحدة ، أو البلد الواحد ، وربما تجاوزه إلى أوسع من ذلك ، إذا كان المتوارث كبيراً ، وما خلفه عظيماً ، ومثل هذا يكون غالباً في وقت ازدهار المعارف وعموم الرخاء والخير في البلاد والناس .
يتبع لاحقا ..
*رئيس وحدة التحرير في معجم الدوحة التاريخي
طالع الحلقة الأولى :
مرتزقة لبسوا عباءة المحققين فافسدوا نصوص المخطوطات
نقلا عن تراثنا – العدد 94

تواصل مع تراثنا

