حضارية لغة القرآن (الحلقة 2)
مواجهات مصيرية مع الشعوبيين

تراثنا – د . محسن عبد الحميد :
تصدى د . محسن عبد الحميد – يرحمه الله – لحملة شعواء شنها من وصفهم بالشعوبيين ، من المجوس الفرس ، المتربصين باللغة العربية ، بدعوى أنها غير حضارية ، يستهدف أصحابها القضاء على الشخصية الإسلامية ، بدءا من لغتها ، وصولاً إلى اتهام الإسلام ، بأنه نزل بلغة ركيكة “صحراوية” لا تواكب العلم وأنه ليس كتابا منزلاًً ..

وفي الحلقة الثانية ، يوضح د . عبدالحميد دور الاستعمار الغربي في تغذية خطط الشعوبيين ، للقضاء على اللغة العربية وفصلها عن ماضيها ، وثقافتها وشخصيتها ودينها ، بوسائل ممنهجة، يفصلها على النحو التالي :
الشعوبية الجديدة

ويقول د .عبدالحميد بشأنها : أما الشعوبية الجديدة ، فمواقفها العدائية الحاقدة الواضحة تتجلى من خلال مواقف الاستعمار الغربي الطويل الذي كانت معاوله تعمل بقوة وخبرة في تدمير طاقات أمتنا ، منذ ما يقارب قرنين من الزمان .
فلقد وضع تخطيطاً علمياً للقضاء على عقيدتنا وشريعتنا وتراثنا وشخصياتنا المستقلة ، ولم يترك اللغة التي نقلت ذلك التاريخ العظيم إلينا ، وذلك بمحاولة تشويه اللغة العربية الفصحى ، وشن الغارات الظالمة عليها ، وإحلال اللهجات العامية محلها ،وتحويل كتابتها من الحروف المنسجمة مع روحها الملائمة لفلسفة التعبير فيها ، إلى الكتابة اللاتينية التي تتنافر مع مخارج حروفها ،وتتصادم مع طبيعة ألفاظها ،وعدم الاكتفاء بوضعها في متحف التاريخ كاللغات السامية المندرسة ، وإنما الدعوة لإعادة النظر في بنيتها وأساليب أدائها ونحوها وصرفها لقطع صلة المتخصصين بما فيها ، بعد قطع صلة مجموع الأمة بحاضرها .
استبدال العربية بالعامية !
ويستطرد د . عبد الحميد موضحاً : والغرض من هذه الغارة الشنعاء والفتنة الهوجاء ، كان معلوماً منذ نهاية القرن الماضي لعقلاء الأمة الغيارى من أبنائها المخلصين من المختصين في شؤونها والباحثين العلماء في لغتها ،واتخاذ اللغة العامية أداة للآداب والعلوم والحضارة الحديثة قضاء نهائي على اللغة العربية الفصحى .
وأفاد: معناه بكلمة صريحة قطع صلة المسلمين ،وفي مقدمتهم العرب ، بقرآنهم وإسلامهم وتاريخهم ، وتراثهم الفقهي والأدبي والحضاري ، لأن اللغة الفصحى هي وعاء الإسلام ، وكل ما يتعلق به مما ذكرتا ، فالجهل بها حجاب معتم ، يحول بينه وبين أتباعه المؤمنين بحضارته ومقومات حياته .
الدعوة الى الفوضوية والأنعزال
ومما يعظم هذه المصيبة الكبرى ويعمق أغوارها ويوسع مداها أن تكتب اللغة الفصحى التي توضع في متحف التاريخ بالحروف اللاتينية ، وأن تكتب اللغة العامية كذلك باللاتينية ، كي يشتد الحصار ، ويتم العزل ، ليوضع الإسلام في اللحد ، بل وضعه في صندوق محكم ثم مده فيه ، لتتلاشى آثار الماضي نهائياً ، فلا تراها الأجيال القادمة معروضة حتى في المتاحف .
وخوفاً من ظهور أثر من آثار هذه الجريمة النكراء ، يجب أعادة النظر أيضاً في طبيعة اللغة المقبورة المنسية بتبديلها وتحويرها حتى تضيع الضوابط وتتحطم القواعد ، فينتشر الهراء بدل التعقل ، والفوضى بدل النظام ، والسفسطة بدل المنطق الحق .
ثم إذا تحقق هدف قطع الحاضر عن الماضي ، انقطع الحاضر ، فتشتت الأمة الواحدة ، وتمزقت العائلة المتحابة ، وظهرت فيها أمم كثيرة ذات لغات جديدة ، فأمة في مصر ، وأخرى في الشام ، وثالثة في العراق ، ورابعة في الجزيرة العربية … وهكذا إلى خمس عشرة ، بل عشرين أمة ، وعدم الوقوف عند ذلك ، بل قطع علاقة هذه الأمة نهائياً بأمم إسلامية أخرى كثيرة ، ربط الله بين قلوبها بوثائق الأيمان والأخوة ،ولغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .
تحذيرات د . عبد الحميد تتحقق !

تعليق تراثنا :
بعد مرور ما يقارب نحو خمسين عاماً من رسالته التحذيرية التي كتبها عام ( 1307 هجري – 1977م) بعنوان : “اللغة العربية بين شعوبيين ” محذراً من الخطط الشعوبية والاستعمارية ، للقضاء على اللغة العربية ، وعزلها عن وسطها والناطقين بها وحضارتهم الإسلامية “لغة القرآن “، نلمس بوضوح على أرض الوقع تحقق توقعاته وتحذيراته ، حيث تحرص شريحة كبيرة من العرب المسلمين ،على ألحاق ابنائهم في مدارس اجنبية باعتبارها لغة العصر ، فيما تهمش اللغة العربية في هذه المدارس !
ومن مؤشرات نجاح الخطط الاستعمارية والشعوبية الجلية، انتشار اللافتات التجارية في الشوارع والساحات باللغة الأنكليزية ، فيما قد توضع العربية تحتها أحياناً ، وكثيراً ما يدور الحديث بين الابناء والاباء باللغة الأنكليزية . .فضلًا عن الاهتمام بقراءة الكتب والصحف الأجنبية وازدراء كل ما يتعلق بالعربية .. ومظاهر عزل اللغة العربية عن الحياة أكثر من أن تحصى نجحت في تحقيق حاجب لغوي يحجب القرآن وفهمه بين أهله العرب والمسلمين !!
يتبع لاحقا ..
طالع الحلقة الأولى :
د.عبدالحميد .. إتهامات الشعوبيين للغة العربية بالركاكة قدح بالقرآن
كاتب وكتاب

مقتطف من رسالة (اللغة العربية بين شعوبيين) كتبها د . محسن عبدالحميد – يرحمه الله – تقع في 23 صفحة حجم صغير ، طبعة عام (1397هجري – 1977م) ، الناشر : مكتبة القدس – بغداد ، مقتنيات مكتبة مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت .
تواصل مع تراثنا
