الحلقة الأولى
فضل الحضارة الإسلامية على الغرب

تراثنا – أ.م.د . محمد أحمد عنب * :
منذ فجر التاريخ، ارتبط الإنسان بالسماء والنجوم، يقرأ حركتها ويستدل بها على مساراته في الحياة، حتى نشأت علومٌ متخصصة في فهم الظواهر الجوية والتنبؤ بها.

وفي قلب هذا التراث العلمي، برزت الحضارة الإسلامية بما أبدعته من مناهج وأفكار أغنت مسيرة العلوم والفنون، وكان لها فضل عظيم على أوروبة في العصور الوسطى، ويكفي أن نستشهد بقول المؤرّخ الفرنسي الشهير جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب: ” ولا نرى في التاريخ أمة ذات تأثير بارز كالعرب؛ فالأمم جميعها التي كانت ذات صلة بالعرب اعتنقت حضارتهم ولو حينًا من الزمن”.
علم الأنواء (الأرصاد الجوية)

ومن بين العلوم التي ازدهرت في ظل هذه الحضارة علم الأنواء، المعروف اليوم بعلم الأرصاد الجوية، وهو علم ذو أهمية كبيرة في شتى مناحي الحياة، برع فيه عدد من علماء المسلمين، وكان من أبرز روّاده العالم الجزائري أحمد التِّيفاشي.
تعريف علم الأنواء
مفهوم علم الأنواء: علم الأنواء، أو ما يُعرف اليوم بعلم الأرصاد الجوية أو علم الظواهر الجوية، هو أحد العلوم القديمة التي ارتبطت بحياة الإنسان، وكلمة “أنواء” في اللغة جمع “نوء”، من الفعل “ناء ينوء” إذا مال وسقط من الإعياء، ويُقال أيضًا “ناء” إذا نهض وطلع، فهو من ألفاظ التضاد.
واصطلاحًا: يُقصد به سقوط نجم يُنسب إليه النوء، أي المطر وهبوب الرياح ، ويُعرف هذا العلم في اللغات الأوروبية باسم “الميتيورولوجية” Meteorology، وهي كلمة يونانية الأصل تتألف من مقطعين: μετέωρος أي “شاهق”، وλογία أي “علم”، ليكون معناها “علم الأشياء العليا”، أي دراسة الجو.
ويُعدّ علم الأنواء فرعًا من فروع علم الفلك المرتبط بالنجوم من جهة، وبعلم الجغرافية الفلكية من جهة أخرى، إذ يهتم بدراسة الغلاف الجوي بما يتضمنه من أحوال الطقس والتنبؤات الجوية، مع التركيز على خصائصه الفيزيائية والكيميائية والديناميكية، ويعتمد بشكل كبير على المعادلات الرياضية لقياس ديناميكية الهواء ودرجة حرارته.
الخلط بين علمي الأنواء والفلك

يخلط بعض الباحثين بين علم الأنواء وعلم الفلك، غير أن بينهما فرقًا جوهريًا، فعلم الفلك: المعروف قديمًاً بعلم الهيأة، يعنى بدراسة الأجرام السماوية، ورصد حركاتها، وتحديد أبعادها وماهيتها، ومعرفة أوقات شروقها وغروبها.
أما علم الأنواء، فهو فرع من علم الفلك يركّز على دراسة تغيّرات الطقس بالاستناد إلى مواقع النجوم وحركتها، وفي الواقع، يُسهم علم الفلك في خدمة دارسي علم الأنواء، إذ يتيح لهم تحديد الأوقات التي تُرى فيها النجوم، وهي أوقات غالبًا ما ترتبط بمواسم معيّنة؛ كفترات الحر أو البرد، أو نزول الأمطار، أو هبوب الرياح، فضلًا عن ارتباطها بأوقات المواسم الزراعية المختلفة وما يتصل بها من علوم الفلاحة.
أهمية علم الأنواء

يُعدّ علم الأنواء ذا أهمية بالغة بوصفه فرعًا من علم الفلك، وقد كان العرب قديمًا في حاجة ماسّة إلى الإلمام به لمعرفة مواقيت ظهور الكواكب الثابتة أو المجموعات النجمية، لما لها من ارتباط بالأنواء الفصلية والمواسم.
وكانت هذه المعرفة ضرورية في حياتهم اليومية، إذ اعتمدوا عليها في تحديد طرقهم في الصحاري، مستدلّين بالنجوم كعلامات يهتدون بها. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 16). فكانوا يسيرون إلى الشام مسترشدين بالنجم القطبي، وإلى اليمن مسترشدين بنجم سهيل.
طالع الحلقة الثانية :
إسهامات العرب والمسلمين في تطوير علم الفلك والأنواء في التاريخ
* أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية المساعد – كلية الآثار (جامعة الفيوم)
يتبع لاحقاً ..
نقلا عن تراثنا – العدد 96

تواصل مع تراثنا

