الحلقة 3
كسوة الكعبة في الحقبة الملكية بمصر

تراثنا – إبراهيم إبراهيم عبدالفتاح :
الاحتفال بخروج المحمل المصري وعودته من أهم الاحتفالات الرسمية والشعبية التي كانت تقام في مصر .والتي جذبت اهتمام المستشرقين والرحالة الأجانب ، فراحوا يسجلون ما يشاهدونه ، إما كتابة ، أو تصويراً بالفرشاة ، أو بعدسة ا لكاميرا عقب اختراع التصوير الفوتوغرافي .

في الحلقة “الثالثة” ، نتابع جولة الكاتب والمستشرق البريطاني سيمون هنري ليدر (1865 – 1930م) ،الذي يعد أول مستشرق يحصل على رخصه تتيح الاطلاع مباشرة على كل ما يتعلق بالكسوة الشريفة ، حيث يصف بدقة حياكة كسوة الكعبة والمراحل التي تمر بها ، ويجهلها حتى المسلمون – على حد وصفه، فيقول :

شرح الحاج أحمد الصعيدي لليدر مراحل نسج الكسوة الشريفة ، وعرض له كل الزخارف الجميلة ، ولم يكتف بذلك ، بل شرح له أيضاً تفاصيل تعليق وتثبيت الكسوة بالكعبة المشرفة ، حيث سافر إلى مكة عدة مرات للإشراف على تعليق وتثبيت الكسوة بالكعبة المشرفة ، وذكر له أنه من الضروري ربط الكسوة بإحكام شديد بالكعبة .
الميكنة والكسوة
ذلك لأن الرياح في مكة غير مستقرة ، وتأتي فجأة من كل اتجاه ، وإن كان وزن القماش يجعل الكسوة تتدلى بانسيابية ، كونها منسوجة من القطن الحرير ، ومن المعلومات الهامة التي أخبره بها الحاج أحمد الصعيدي ، أنه قبل سنوات ، أي من عام 1912م ، تم التفكير في استبدال النسيج اليدوي القديم للكسوة بالماكينات .
أعظم شرف
وتم بالفعل استيراد نول باهظ الثمن من مدينة مانشستر بإنجلترة ، لكن الحاج أحمد لم يُعجبه هذا النول ، ولم يكن راضياً عنه ، فعاد إلى الطريقة التقليدية القديمة ، التي علمه والده سرها ، وصرح أنه يتفخر بشدة أن الكتابة المنسوجة على القماش هي من أجمل أشكال الكتابة العربية ، وأن هذا أمر لا بد منه ، لأن الكعبة مركز العالم الإسلامي الشاسع ، والشيء الذي يأمل كل مسلم أن تقع عيناه عليه ولو مرة واحدة قبل وفاته ، لأنه أعظم شرف على الإطلاق .
مكونات الكسوة

أبدى ليدر أعجابه بجمال الكتابات العربية المنفذة على كسوة الكعبة ، مشيراً أنه تم السماح له بالتعامل معها بحرية تامة ، وأوضح أنها تتكون من ثمانية قطع ، يبلغ طولها حوالي خمسة عشر متراً ، تُشكل كل قطعتين معاً غطاء لكل جانب من جوانب الكعبة المشرفة ، حيث يتم ربطهما معاً بخيوط متينة ، وأشار إلى أنه بعد الانتهاء من صناعة نسيج الكسوة تنقل إلى مسجد الإمام الحسين رضي الله عنه في القاهرة ، حيث تتم خياطتها هناك .
حزام الكسوة
وذكر ليدر أنه تمكن من رؤية ولمس الحزام الشهير الرائع ، الذي يطوق الكعبة فوق منتصفها ، وأشار إلى أن جميع الرحالة الذين رأوه قاموا بوصفه ، موضحاً أن عرض هذا الحزام يبلغ حوالي قدمين ونصف ، وهو مصنوع من نفس مادة الكسوة ، ومطرز بكتابة عربية بخيوط الذهب ، تمثل آية الكرسي .
غسل الكعبة بماء الورد
وصف ليدر أيضاً الستائر التي تستخدم لتغطية باب الكعبة من الداخل والخارج ، وذكر أنها أمثلة رائعة على فن التطريز بالذهب والفضة ،وتزينها ألواح من الساتان الأخضر والوردي على أرضية سوداء ، بالإضافة إلى تطريزها بالكتابات العربية ، ويُشير ليدر أنه رأي في دار الكسوة إبريقين نحاسيين ثمينين ، وهذين الإبريقين يُرسلان كل عام مملوءين بماء الورد النقي لغسل الكعبة .
كيس مطرز لمفتاح الكعبة

كما رأى ليدر الحقيبة أو الكيس المطرز ، الذي يحفظ به مفتاح الكعبة ، أما الكسوة الخاصة بمقام نبي الله إبراهيم عليه السلام ، فيذكر ليدر أنه رآها في غرفة منفصلة ، بدار الكسوة ، حيث كان يُضيف إليها رجل مسن اللمسات الأخيرة ، يُحمل الغطاء في موكب المحمل ـ حيث يُثبت على إطار مطابق تماماً لحجم وشكل المقام .
يقول ليدر أن ليس الأوربيون وحدهم من يخطئون في اعتباره محملاً ،بل أيضاً الغالية العظمى من المسلمين ،ويُفسر ذلك بسبب السرية التي تحيط بالأشياء المخصصة للاحتفالات الدينية المرتبطة بالمحمل وموكب الحجيج ، وأن العقل الشرقي نادراً ما يُثقل نفسه بأي اهتمام بالتفاصيل والمعلومات الدقيقة .
طالع الحلقة الثانية :
الحاج أحمد الصعيدي يكشف أسرار المحمل المصري الخاص بكسوة الكعبة
يتبع لاحقاً..
نقلا عن مجلة تراثنا – العدد 94

تواصل مع تراثنا

