حضارية لغة القرآن – الحلقة 4
مواجهات مصيرية مع الشعوبيين

تراثنا – د . محسن عبد الحميد :
تصدى د . محسن عبد الحميد – يرحمه الله – لحملة شعواء شنها من وصفهم بالشعوبيين ، من المجوس الفرس والمستشرقين ، المتربصين باللغة العربية ، بدعوى أنها غير حضارية .
يستهدف أصحاب هذه الدعوات القضاء على الشخصية الإسلامية ، بدءا من لغتها ، وصولاً إلى اتهام الإسلام ، بأنه نزل بلغة ركيكة “صحراوية” لا تواكب العلم وأنه ليس كتابا منزلاًً ..

وفي الحلقة الرابعة ، يستطرد الكاتب د . عبدالحميد شرح سرديته حول دور الاستعمار الغربي في تغذية الانقسام بين ابناء الشعب العربي والإسلامي ، بل أبناء الشعب الواحد نفسه، بدعوته لتكريس اللغة الوطنية الدارجة ، بدلاً عن لغة القران التي تجمع صف المسلمين وتوحدهم عليه ، واستعادة حمية الحضارات المندثرة لكل قطر !
الدعوة للخطابة والتأليف بالعامية

وفي أثناء سيطرة المهندس الأنجليزي (وليم ولكوكس) على مجلة الأزهر في ظل حرب الأنجليز ، نشر مقالة فيها عام 1892م ، زعم فيها أن الذي عاق المصريين عن الاختراع هو كتابتهم بالفصحي ، ودعا إلى التأليف بالعامية ، ومن وقاحته الفاضحة أنه نشر في المجلة الإعلان التالي :
(من قدم لنا هذه الخطبة باللغة الدارجة المصرية ، كانت موافقة جداً ، يكافأ بإعطائه أربعة جنيهات افرنكية ، وأن كثر المتقدمون ، فيعطي هذا المبلغ لمن يحوز الأولوية) !
ولم يترك هذا الميدان ، بل حدد دعوته عام 1826 م ، ودعا المصريين إلى هجر اللغة الفصحى ، وخطا بهذا الاقتراح خطوة ، فترجم فصولاً من الإنجيل إلى ما سماه ب (اللغة المصرية) .
لغة القاهرة !

وجاء بعد (ولكوكس) دور لقاضي الانجليزي (ولمور) عام 1901م ، في المحاكم المختلطة ، فألف كتابه المعروف (لغة القاهرة) اقترح فيه اتخاذها لغة للعلم والأدب والفن ، كما اقترح كتابتها باللغة اللاتينية !
ثم ألف كاتب آخر ، كان معروفاً بعدائه الشديد للعربية وأهلها ، اسمه اسكندر معلوف مقالاً بعنوان (اللغة الفصحي واللغة العامية) ، نشره في مجلة الهلال التي أنشأها جورجي زيدان ، دافع فيه عن اللهجات العامية ، ودعا إلى الكتابة بها ، وطرح العربية الفصحي ، وحمل لواء الدعوة بعده ابنه عيسى اسكندر معلوف ، الذي اختير فيما بعد عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة !؟
تمزيق الأمة
ولقد قامت أدلة قاطعة على ان الاستعمار الانجليزي تبنى بقوة هذه الحركة الممزقة لأوصال الأمة ، ويظهر ذلك من خلال تقرير (دوفرين) اللورد الأنجليزي الذي رفعه إلى وزارة الخارجية البريطانية في شأن اللعة العامية المصرية ، ويظهر ايضًا من خلال منهج (دنلوب) الخبير الانجليزي في التربية والتعليم ، وفرضه العلوم باللغة الأجنبية ،واحتقار علوم اللغة العربية .
ازكاء النعرة الوطنية الفرعونية

ثم إن الدوائر الاستعمارية الانجليزية شاءت أن تسلم الراية إلى بعض المصريين انسجاما مع القاعدة التبشيرية القديمة (الشجرة يجب ان يقطعها أحد أصحابها)، فتبنى هؤلاء هذه الدعوة في خبث زائف ، وبحجج زائفة مكشوفة ، منهم (لطفي السيد) الذي جعلت منه الدعاية الاستعمارية وصحفها أستاذاً للجيل .
وهو الذي قضى حياته في محاولة إبعاد مصر عن جسم الشعب العربي والأمة الإسلامية ، بدعوته إلى النعرة الوطنية الفرعونية (*) بكل ما أوتي من قوة ، وتأييده المطلق للقضاء على اللغة الفصحى ، من خلال تلقيحها بالمصطلحات الأجنبية ، اللهجة العامية تحت ستار التوسع في الألفاظ والمعاني والقرب من لغة عامة الشعب !
* يدخل في اطار تعزيز نزعة الانكماش ،والانعزال عن العروبة والاسلام ، والقوقعة على الداخل الوطني، الاحتفالات التي تقام دورياً لتمجيد حضارات بائدة لا صلة لها بالعروبة ولا الاسلام ، من آشورية وقبلية وشعوبية وفرعونية وبربرية ..الخ ، واصطفاف ابناء الشعب الواحد بين مؤيد ومعارض، تكريساً للفوضى والتنازع والكراهية !
يتبع لاحقاً ..
كاتب وكتاب

مقتطف من رسالة (اللغة العربية بين شعوبيين) كتبها د . محسن عبدالحميد – يرحمه الله – تقع في 23 صفحة حجم صغير ، طبعة عام (1397هجري – 1977م) ، الناشر : مكتبة القدس – بغداد ، مقتنيات مكتبة مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت .
تواصل مع تراثنا
