كتاب من مواقف اجتماعية من حياة العلامة عبدالرحمن السعدي
كتاب من مواقف اجتماعية من حياة العلامة عبدالرحمن السعدي

تراثنا – كتب د. محمد بن إبراهيم الشيباني: الوسطية كانت عند الأوائل ديناً وكانت من حياتهم وفي نفوسهم يتعاملون وفقها ليست طارئة عليهم أو يصطنعونها أو يمارون غيرهم بها ، مناسبة هذا الكلام ليست نابعة من وسطية القوم التي أحدثوها وخصصوا لها ميزانيات ضخمة في بعض البلدان، ولا أراها غيرت شيئاً أو حركت ساكناً في الشارع الكويتي أو غيره، لأنها مجموعة شتات أفكار مختلفة بعضها عن بعض ، ماعلينا قلت مناسبة ذلك قراءتي اليومية المتنوعة في علوم السلف الأوائل الذين أناروا بأفهامهم الوسطية الدنيا فهذا واحد منهم وهو العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ( 1307 ـ 1376هـ) صاحب المصنفات الكثيرة منها ( الفتاوى السعدية) و ( تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) و ( الوسائل المفيدة في الحياة السعيدة ) .

ومما يدل على سعة أفق الشيخ السعدي ماذكره الأستاذ محمد التركي في المجلة العربية نقلاً عن ابن السعدي في جمعه مؤلفاً عن مواقف والده الدعوية حيث يقول : تسامع الناس في عنيزة عن عمليات غزو الفضاء فقال الشيخ : إن ذلك ممكن بوساطة آلة ترفعهم إلى القمر أو أي سلطان آخر . واتسع أفق الشيخ السعدي وتوسطه وتسامحه في الوقت الذي يرى غيره غير مايراه فقد كان يسمع أخبار الحرب العالمية الثانية من مذياع الوجيه عبد الرحمن المقبل الذكير الذي كان يجتمع الناس في مجلسه لمتابعة أخبار الحرب فكان الشيخ يتوقف عند باب الذكير بعد صلاة العشاء لمتابعة آخر الأخبار . ومن سعة أفقه وفقهه وانفتاحه الثقافي والسلوك المثالي أنه أجاز الاستفادة من أعضاء الموتى للأحياء والتبرع بالدم في فتوى علمية تطرق فيها للمسألة مبيناً أقوال العلماء وانتصر للقول بالجواز .

من مؤلفات الشيخ عبدالرحمن السعدي و نموذج لوسطيته
من مؤلفات الشيخ عبدالرحمن السعدي و نموذج لوسطيته

ومن تعامله اليومي مع الناس أن ابن السعدي اشترى في يوم من الأيام حطباً وعندما أنزل الجمال حمولته سقطت من جيبه علبة الدخان ولم يرها الجمال فناداه وأعطاه إياها قائلاً : أهذا لك ؟ قال : نعم . قال خذها ! فرد الجمال : أو تعرف مافيها ياشيخ ؟ قال نعم . قال له الشيخ لأنك إن لم تجدها فسوف تشتري بقيمة الحطب بديلاً لها وستكون على حساب قوت أولادك والهادي هو الله سبحانه . فنثر الجمال مابها وقال لن أدخنه مرة أخرى .
وكان ابنه محمد يتحاشى إحضار أصدقائه في مجلس والده تحرجاً واحتراماً له لأنهم وهم كانوا يدخنون والشيخ يدرك ذلك فيلزمه بدعوتهم بل اشترى منزلاً صغيراً مجاوراً للبيت وأثثه ووضع أدوات الشاي والقهوة فقال لابنه ادعوا أصدقاءك ! قصد الشيخ لعلهم بذلك يقطعون التدخين احتراماً وتقديراً لوالده .
ومما ينقل عنه حين يسافر أنه كان يضع العقال فوق شماغه دون تحرج والناس تستغرب من عالم يفعل هكذا وكان يرى رؤية الخطيب للفتاة قبل الزواج منها وهو مافعله مع ابنه . وقد استفاد من كتاب الأميركي ( ديل كارنيجي ) ( دع القلق وابدأ الحياة ) .
هذه هي وسطية من يسبق وقته بل من يفهم الدين الإسلامي العظيم كما جاء به المعلم الأول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي كان يضحك ويداعب ويمازح زوجاته وأولاده وأولاد المسلمين وكان يحضر أفراح الزنج ومعه عائشة رضي الله عنها وفي الوقت نفسه يغضب لحدود الله إذا انتهكت . هذه هي الوسطية التي سار عليها الشيخ السعدي وأمثاله من علماء الأمة في وسط مشحون بالعادات والتقاليد المفروضة على الناس أغلبها ليست من الدين في شيء، فهذا الشيخ كما يقول إبراهيم التركي وغيره : تعامل مع الواقع ، وتفهم النوازع والدوافع فاتصل به المحسن والمسيء ، لم يخشه مقصر ، ولم يظهر من تلاميذه مكفر أو مفجر .. قلت : أو متقلب في الفكر والدين ، وهل أفسد الدين إلا أحبار سوء ورهبانها ( أي العلماء المتقلبون ظهراً وبطناً يعلنون خلاف مايبطنون ) وما أكثرهم اليوم عباد للمال وطلاب للشهرة !

 والله المستعان …

  • تابعنا هنا * اشترك في ايميل خدمة تلقي الاخبار المجاني هنا * اعداد مجلة تراثنا هنا * اصدارات مركز “المخطوطات هنا * جولة بين فهارس مكتبات المركز هنا * مقتنيات تحف معرض مركز المخطوطات هنا
  • ما تنشره الروابط الخارجية لا تمثل بالضرورة رأي تراثنا

اترك تعليقاً

اغلق القائمة