سلسلة معرفية عقدية تكشف المسائل الدخيلة على دين الإسلام (5)

بيب المقدس
بيب المقدس

تراثنا – التحرير : تنشر تراثنا الإلكترونية الحلقة ( الخامسة) من حلقات كتاب (مسائل الجاهلية ..التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الجاهلية ) في اطار سلسلة معرفية عقدية تظهر فيه مسائل الجاهلية التي تسللت إلى عقيدة الأمة الإسلامية من عقائد دخيلة وبدع وخرافات طارئة لا تمت للإسلام بصلة .

( المسألة الثامنة )الاستدلال على بطلان الشيء كونه غريباً

الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريباً ، فرد الله تعالى على ذلك بقوله في ( هود : 116 ) (فَلَولا كانَ مِنَ القُرونِ مِن قَبلِكُم أُولو بَقِيَّةٍ يَنهَونَ عَنِ الفَسادِ فِي الأَرضِ إِلّا قَليلًا مِمَّن أَنجَينا مِنهُم وَاتَّبَعَ الَّذينَ ظَلَموا ما أُترِفوا فيهِ وَكانوا مُجرِمينَ ) ومعني الآية ( فَلَولا كانَ ) تحضيض فيه معنى التفجع ، أي فهلا كان ( مِنَ القُرونِ ) أي الأقوام المقتربة في زمان واحد ( مِن قَبلِكُم أُولو بَقِيَّةٍ ) أي ذو خصلة باقية من الرأي والعقل ، على أن يكون البقية إسماً للفضل والهاء (1) للنقل ، ومن هنا يقال فلان من بقية القوم ، أي من خيارهم ، ومنه قولهم في الزوايا خبايا ،وفي الرجال بقايا ، ( يَنهَونَ عَنِ الفَسادِ فِي الأَرضِ ) الواقع فيما بينهم ، حسبما ذكر في قصصهم ، وفُسر الفساد بالكفر وما اقترن به من المعاصي ، ( إِلّا قَليلًا مِمَّن أَنجَينا مِنهُم ) استثناء منقطع ، أي ولكن قليلاً منهم أنجينا لكونهم كانون ينهون .

( المسألة التاسعة ) انخداع أهل القوة والحيلة بقوتهم وحيلتهم

الاستدلال على المطلوب والاحتجاج بقوم أعطوا من القوة في الفهم والإدراك وفي القدرة والملك ظناً أن ذلك يمنعهم من الضلال ، فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله سبحانه في ( الأحقاف : 24-26 ) (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَـذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٤﴾ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴿٢٥﴾ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )
.
ومعنى الآية ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ ) أي قوينا عاداً وأقدرناهم و ( ما ) في قوله تعالى (فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) موصولة أو موصوفة و ( إن ) نافية أي في الذي أو في شيء ما مكناكم فيه من السعة والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادئ التصرفات ، كما في قوله تعالى ( الأنعام : 6 ) : ( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ) ولم يكن النفي بلفظ ( ما ) كراهة لتكرير اللفظ وإن اختلف المعنى ، ( وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً ) ليستعملوها فيما خلقت له ،ويعرفوا لكل منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم ، ويستدل بها على شئون منعمها عزوجل ، ويداوموا على شكره جل ثناؤه ( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ ) حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل ( وَلَا أَبْصَارُهُمْ ) حيث لم يجتلوا بها الآيات التكوينية المرسومة في صحائف العالم ( وَلَا أَفْئِدَتُهُم ) حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى ( مِّن شَيْءٍ ) أي شيئاً من الأشياء ، و ( من ) مزيدة للتوكيد .

حلقات العلم والتحلق حول العلماء في المسااجد
حلقات العلم والتحلق حول العلماء في المسااجد

وقوله ( إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ) تعليل للنفي ( وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) من العذاب ، الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ،ويقولون ( فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) فهذه الآية تبطل الاحتجاج بقوم أعطوا ما أعطوا من القوة في الفهم والإدراك وفي القدرة والملك ، ظناً أن ذلك يمنعهم من الضلال ، ألا ترى أن قوم عاد كما أخبر عنهم التنزيل كانوا من القوة والبسطة في الأموال والأبدان والإدراك وسعة الأذهان وغير ذلك مما لم مثله للعرب الذين أدركوا الإسلام ،ومع ذلك ضلوا سواء السبيل ،وكذبوا الرسل بالأباطيل ، فالتوفيق للإيمان بالله ورسله والإذعان للحق وسلوك سبله إنما هو فضل من الله تعالى ،لا لكثرة مال ولا لحسن حال. 

ومن يرد الحق ويستدل بكون من هو أحسن حالا منه لم يقبله ، ولم يحكم عقله ويتبع ما يوصله إليه الدليل، فقد سلك سبيل الجاهلية وحاد عن الحجة المرضية .

ومثل هذه الآية قوله تعالى ( البقرة :89 ) : ( وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) كان اليهود يعلمون من كتبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، و أن الله سيرسل نبياً كريماً من العرب ، وكانوا قبل بعثته يستفتحون على المشركين ببعثته ، ويقولون : ربنا ، أرسل النبي الموعود إرساله حتى ننتصر على الأعداء ، فلماء جاءهم ما عرفوا وهو محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به ، حسداً منهم أن تكون النبوة في العرب ، وهم بزعمهم أحسن أثاثاً ورئياً .

ولم يعلموا ان النبوة والإيمان بها فضل من الله يؤتيه من يشاء ،ومثلها أيضا قوله تعالى ( البقرة :146 – 147 ) : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤٦﴾ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين ) الضمير في قوله ( يعرفونه ) عائد على العلم في قوله (145) : ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ) فكتمانهم الحق وعدم جريهم على مقتضى علمهم لما فيهم من الجاهلية والاعتقاد أن فضل الله مقصور عليهم لا يتعداهم إلى غيرهم ( الأنعام 19 -20 ) موافقة لهذه الآية لفظاً ومعنى وهي قوله تعالى ( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّـهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّـهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿١٩ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (.

هامش:

1- أي هاء التأنيث في ( بقية )

يوتيوب : مسائل الجاهلية 5 ( الشيخ د . عبدالله العنقري ) 

أقرأ : الحلقة السابقة ( الرابعة )

تواصل معنا

زيارة الصفحة الرئيسة ( تراثنا . حساب ( تراثنا ) على منصة تويتر – حساب ( المخطوطات ) على منصة انستغرام – مجلة ( تراثنا ) الورقية – الموقع الالكتروني لمركز المخطوطات والتراث والوثائق • تتوفر تراثنا عن طريق الاشتراك فقط حاليا ً.. التعقيبات والمساهمات ضمن بريد القراء ادناه- هواتف المركز : 25320902- 25320900/ 965 +

اترك تعليقاً