بين حرية التعبير ..والقيد الأخلاقي

العلمانية والتحريرية
العلمانية والتحريرية

تراثنا – بقلم : د رفيق حسن الحليمي *

العَلمانية (بفتح العين) اتجاه فلسفي غربي، يقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة ، ظهر في أوروبة كردة فعل طبيعية أو كحتمية تاريخية للصراع المحتدم بين الدولة والكنيسة تابعة للدولة تبعية مطلقة، تقوى بقوتها وتضعف بضعفها وعند قيام الإمبراطورية الرومانية حدث نزاع بين السلطتين أدى أحياناً إلى عداوة سافرة بين الإمبراطور والبابا(1)،

«ومنذ القرن السابع عشر الميلادي عصر ظهور الرؤية المعرفية العلمانية» بدأت عملية الفصل بين الدين والدولة، وأصبحت العلمانية ذات دلالة صارخة وصريحة للفصل بين مكونين، كانا من قبل المكونين الرئيسين للأمة والدولة معاً، وإن شئت فقل: لعلاقة الإنسان بالآخر، من خلال ما عرف بالعقد الاجتماعي، وقد جاهد الإنسان طويلا حتى تمكن من بلورة هذين المكونين في منظومة واحدة، هي الدولة الحديثة – بالمفهوم الغربي – فكانت العلمانية الغربية البرزخ العريض، والطلاق البائن بينونة كبرى بين الدولة والدين.

د رفيق حس الحليمي
د رفيق حس الحليمي.. 

• العلمانية تخضع  بناء الإنسان الفكري ومشاعره وأحاسيسه الإنسانية لقوانين المادة وتفسرها وفق الإطار المادي فقط ..

• عندما اشتدت ضربات النازية على روسية في الحرب العالمية الثانية طلب قادة السوفييت من القساوسة قرع أجراس الكنائس لاستثارة روح القتال في الناس !!

• لم تسلم العلمانية ومختلف طروحاتها وتداعياتها من الانتقاد والثورة عليها، بسبب ما آلت إليه الأمور من فصل الدين عن الدولة .

الانسان خاضع للمادة
كان لهذا الفصل المشرعن رسمياً وعلی الطريقة الغربية أثره السلبي في تحويل الإنسان إلى «مادة استعمالية»(2) ذات قابلية للتشكيل والتطويع وأصبح كل شيء في الإنسان «من بناء فكري ومشاعر جوانية، وأحاسيس انسانية لا تفسر إلا في إطار مادي فقط، وأن الإنسان في النهاية جزء من المادة يخضع لقوانينها».(3)، وينصاع إلى الرؤية المعرفية، أو ما يعرف بالنقد المعرفي الإبستمولوجي الذي يتناول «المقدس» والإنسان والمادة، وجميع المحرمات بالنقد الصارم ويستبيحها إذا ما خالفت العقل المادي الصرف، وعلى أثر هذا التوجه أو التطور الجديد ظهر مبدأ «حرية الاعتقاد» فللمواطن العلماني الحرية المطلقة في الاعتقاد الذي يريده وفي الدين الذي يختاره أو يرفضه أو يستبدله بغيره متى شاء، وأكثر من ذلك يقف القانون المدني للدولة العلمانية والمعايير الكنسية الجديدة لتعزيز تلك الحرية «المطلقة» في الاعتقاد الديني.

ظهور الحداثة
وقد كان من تداعيات فصل الدين عن الدولة ظهور ما عرف «بالحداثة» كواقع جديد، ومعطىً حضاري للدولة العلمانية الحديثة، ونشأت معها فكرة «التدمير» التي تعد المحور الأساسي لمصطلح الحداثة إذ يعني تدمير كل ما هو ماضٍ، وإحداث قطيعة معرفية ونفسية معه لصالح بناء أفكار جديدة!!

ثورة الغرب على العلمانية
لم تسلم العلمانية ومختلف طروحاتها وتداعياتها من الانتقاد والثورة عليها، بسبب ما آلت إليه الأمور من فصل الدين عن الدولة، ففي الآونة الأخيرة بدأت تظهر أحزاب سياسية متعددة تحت مسميات مسيحية تعبيراً عن العودة إلى جوهر المسيحي، وعن الماضي والتمسك بالعقيدة، فقد كان ظهور تلك الأحزاب بمثابة ثورة هادئة، وردة فعل لهذا الواقع العلماني المتردي، وغير المرغوب فيه، ولعل من مظاهر تلك الردة قرع النواقيس، ففي الحرب العالمية الثانية عندما اشتدت ضربات النازية على روسية فما كان من المسؤولين السوفييت إلا أن يطلبوا من القساوسة قرع أجراس الكنائس التي توقفت منذ الثورة البلشفية، وكأن لسان الحال يستنجد بالدين وبرجاله ويستثير فيهم روح القتال، وقد استغرب الناس سماع الأجراس وهي تقرع، وهي التي غابت عن أسماعهم ردحاً من السنين.

• بعض المفكرين الغربيين لم يرضوا عن كثير من الأعمال الأدبية الحداثية ولاعن تفكك الأسرة وانحلال المجتمع، واستغراقه في الحياة الإباحية الماجنة .

• مصطلح ” الحداثة ” يعني تدمير كل ما هو ماضٍ، وإحداث قطيعة معرفية ونفسية معه لصالح بناء أفكار جديدة!!

صوروا العلمانية بأنطلاقة انطلاقة للأفضل فكانت انغماس في تحطيم الاسرة نواة المجتمع وتماسكه
صوروا العلمانية بأنها انطلاقة للأفضل فكانت انغماس في تحطيم الاسرة نواة المجتمع وتماسكه

الآثار السلبية للعلمانية
مازالت المجتمعات الغربية التي تربت على العلمانية وحرية الاعتقاد والحرية المطلقة تعاني من الآثار السلبية التي أفرزتها العلمانية، فقد تراجعت نسبة المتدينين، واهتزت العقيدة المسيحية في نفوس أبنائها، كما أن بعض المفكرين لم يكونوا راضين عن كثير من الأعمال الأدبية الحداثية كما لم يكونوا راضين عن الأوضاع الاجتماعية التي انتابت الفرد والأسرة، وأدت إلى تفكك الأسرة وانحلال المجتمع، واستغراقه في الحياة الإباحية الماجنة .فرنسة تتراجع عن علمانيتها وللتدليل على شيء من رفض هذا الواقع، فإن فرنسة – وهي الأم الرؤوم للعلمانية المتطرفة – منعت نشر بعض قصائد الشاعر شارل بودلير (1821-1867م) عند طبع ديوانه (زهور الشر) عام 1857م لأنه كان يشتمل على قصائد مجافية للذوق السليم وللأخلاق العامة، فكان لابد من حذف تلك القصائد(4)، وإن دل هذا على شيء مما يدّعيه الغرب من حرية التعبير فإنما يدل على أنها حرية منقوصة أو مقيدة بقيود من الأخلاق والقيم، ومن حق الجهات الرقابية بل من واجبها – كما يبدو من هذه الحالة وغيرها مما نأتي على ذكره – كبح جماح «الحرية» إذا ما حاولت الانفلات من العقال، والتعدي على الحقوق بما يمس المشاعر العامة من خدش وتجريح.

انتقائية في معنى الحريات
و في فترة ماضية قررت السلطات القضائية الفرنسية تغريم ثلاث مجلات لنشرها صور صديقة الرئيس الفرنسي (فرانسوا رولاند) بملابس السباحة خلال الصيف الماضي وذلك تعويضاً عن الأذى الناجم عن انتهاك الحياة الخاصة(5)، فالسلطة القضائية سعت إلى تغريم المجلات التي نشرت الصور، وهذا جانب من المسألة والجانب الآخر وهو أن للمجلات حرية الكتابة والنشر والنقد والتعليق والتصوير والسب والقدح في الأعراض كما تريده العلمانية الغربية .. فأين إذن ما يدعيه الغرب من حرية التعبير ومن الحرية المطلقة أوليس في هذا انتقاء مذموم؟ فمرة تلتزم السلطات العلمانية القضائية وغير القضائية بالصمت كصمت القبور، عندما يتعلق الأمر بالتهجم الوقح على مقام حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة ومرات تجأر بالصوت العالي ضد مجلات لمجرد نشرها صوراً لصديقة الرئيس!! إنه التناقض بعينه والانحياز إلى فئة دون غيرها، فأين الموضوعية إذن.

المرأة تعاني الأمرين في العلمانية الغربية
المرأة تعاني الأمرين في العلمانية الغربية صورة

مع الاسلام وضده
عندما شعر رجال الأعمال بأن الاقتصاد الغربي مهدد بالانهيار بدأوا يفكرون بالأخذ بالنظام المصرفي الإسلامي، وكانوا هذه المرة جادين ليتمكنوا من اجتياز الأزمات المالية التي بدأت تعصف بمقدراتهم، وفي ذلك أكبر دليل على أن العلمانية الغربية انتقائية، فمرة يهاجمون الإسلام ورموزه هجوماً شرساً، لا هوادة فيه، ومرة يقدمون الإسلام نموذجاً حضارياً لحل مشكلاتهم المستعصية، أن وقد فتحوا المجال ذات مرة لسليمان رشدي صاحب كتاب (آيات شيطانية) أن يتقول ويعتدي على مقدسات المسلمين ورموزهم، ولم نسمع ذات يوم أن صحيفة واحدة في الغرب أو داراً للقضاء انتقدته أو قدمته للعدالة، أو طلبت منه الاعتذار والتوبة عن سوءته وسيآته، وهو مما تؤخذ على الغرب كل الغرب.

محمد اعظم شخصيات التاريخ
العالم الغربي من أقصاه إلى أقصاه لم يحرك ساكناً عندما نشرت بعض المجلات تسيء لمقام حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تكرر نشر الصور في أكثر من مجلة غربية وأكثر من بلد غربي، ومع هذا كله يصدر في الغرب الأميركي عن رجل يدين بالمسيحية (مايكل هارت) كتاب: (المئة الأوائل) انتهى فيه – بعد دراسات ومقارنات مستفيضة لمؤسسي الأديان (حسب تعبيره)، والعلماء ثم الفاتحين – إلى أن النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم أعظم شخصيات التاريخ قاطبة، وأنه جاء على رأس القائمة … وتعد هذه الشهادة دليلاً على أن مايكل هارت «لم يستطع أن يتلافى أثر الرسول وتأثيره في البشرية، وأنه جعل العرب (المسلمين) قوة عظمى في مواجهة أعتى الدول (الإمبراطوريات) وقتئذ(6) .

• فرنسة – وهي الأم الرؤوم للعلمانية المتطرفة -منعت نشر قصائد بما يخالف الحريات التي تدعيها إذا انفلتت عن العقال وخدشت الذوق العام .

• انتقائية العلمانية :عندما شعر الاقتصاديون الغربيون بقرب انهيار مصارفهم فكروا جديأً بالأخذ بالنظام المصرفي الإسلامي لاجتياز ازماتهم المالية .

لاشك أن كتاب مايكل هارت – الذي صدر عام 1978م في أميركة – كان له دوي في العالم الأميركي والأوروبي، والعالم العربي والإسلامي، غير أن صدور هذا الكتاب لم يمنع «المنحلين» (مصطلح لجماعة من كتاب الحداثة أطلقته على نفسها) والفاسدين من التطاول على مقام حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة في نفوسهم المريضة التي تتستر وتتخفى وراء حرية التعبير، وحرية الرأي وحرية الإرادة، وهي مقولات جوفاء وغير صادقة، وقد ظهر زيفها عندما وضعت على المحك، فكان واقع الغرب يكذبها ويشهد على بطلانها بما يؤكد أنها حرية منقوصة، ففي ساحة (الهايد بارك) في لندن لا يجوز التهجم بحال من الأحوال على مقام الملكة، لأن ذلك يعد من الخطوط الحمراء، فلماذا تكون هناك خطوط حمراء «لا تسمح»، وأخرى خضراء «تسمح» بالنقد والتطاول في المواقف المتماثلة مع فوارق التشبيه، وتباعد نقاط الاختلاف بين المعنيين بالحديث.

انصاف برنارد شو للإسلام
ومن قبل مايكل هارت بعشرات السنين كان لبرنارد شو وهو كاتب ايرلندي (1856-1950م) مواقف وكتابات فيها تمجيد لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعدم الباحث أن يقف عند شخصيات بين المستشرقين والعلماء والوزراء، اتسمت بالموضوعية والإنصاف والاعتدال واحترام الأديان، وفي مقدمتها الإسلام، وتعزير رموز الديانات وفي طليعتهم شخصية النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، لكن هذه المؤشرات المضيئة في الغرب مازالت ضئيلة، لا يستدل منها على حسن النوايا بنسب عالية أو مقبولة، بحيث تجعل القلوب في الشرق تطمئن وترضى.

كلمة أخيرة سيبقى الغرب غرباً والشرق شرقاً، وستبقى المسافة بينهما بعيدة، ثقافياً ودينياً ومعرفياً، وستبقى شقة الخلاف والاختلاف واسعة وجوهرية، وهي بحاجة إلى ما يقربها ويردم الفجو، ولا أكاد أجد سبيلاً لذلك إلا من خلال قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (آل عمران: الآية 64)، فهل تصبح الكلمة السواء بلسماً يداوي جراحات النفوس، سواء أكانت في الشرق أم في الغرب؟ نأمل ذلك.

الهوامش

كاتب واكاديمي فلسطيني ” نُشر المقال في تراثنا – عدد 48  الصادر في فبراير 2013 
(1) الموسوعة العربية ص 1858.
(2) عبدالوهاب المسيري، تاريخ الفكر الصهيوني ط1، دار الشروق، مصر 2010، ص31.
(3) نفسه ص 59.
(4) الموسوعة العربية ص 426.
(5) جريدة الراي ع 12169 (بتاريخ 25/10/2012).
(6) جريدة الراي ع 10469 (بتاريخ 29/2/2008).

الصفحة الرئيسية  تراثنا 

اترك تعليقاً