قيّـض اللــه للـوضاعـين والمـدلسـين من كشـف عن زيـفهم وفضح سرائـرهم

تنفيذ حكم العدالة بالجناة
علم الرواية والتثبت من صحة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بإعدام كل فرية واكذوبة 

تراثنا – التحرير : تستكمل تراثنا نشر الجزء الثاني “الاخير” من بحث ” تطور الرواية من الجاهلية إلى الإسلام ” للدكتور رفيق حسن الحليمي – رحمه الله – حيث تناول تفاصيل حال الرواية بين عصري الجاهلية والإسلام ، و تطورها بحيث أصبحت علماً يهتم بحال رواته ومصطلحاته ، وله فنون ضبطه بعد أن كانت الرواية في الجاهلية لا تحظي بكل هذا الاهتمام ..وهي خصوصية لا تجد لها مثيلاً إلا في أمة الإسلام .

 • تدرجت الـروايـة نحو التأصيل العلمي الفريد حتى غدت علماً قائماً بذاته له أصوله وقواعده ومصطلحاته « النـادرة » .

• الرواية في الإسلام بمنزلة ” شهادة ” وهو مصطلح يفرض على الراوي ضرورة الالتـزام بمبـدأ الأمانـة والصدق.

• سعى علم الحديث إلى التثبت من صحة ما روي عـن النبيّ صلى الله عليه وسلم وتحديد درجـة الحـديث لما يترتب على ذلك من قضايـا فقهية .

 من مصطلحات علم الرواية 
في أثناء اشتغال المسلمين بالرواية الإسلامية – على مدى عقود وعقود – تولـد العديد من المصطلحات التي خـدمت علوم الـقران ، وعلوم السنة النبـوية ، كما خـدمت علوم اللـغـة أيضاً، فقد أخذت الـروايـة تتدرج نحو التأصيل العلمي

د رفيق حس الحليمي
د . رفيق حس الحليمي

الفريد حتى غدت علماً قائماً بذاته له أصوله وقواعده ومصطلحاته « النـادرة » وأصبحت من العلوم الفائقة ، ومن أبـرز معطيات الحضور الإسـلامي في الثقافة والـفكر والتاريخ ، ومن أهم معالم الحضارة الإسـلامية ، والعلوم الدينية ، حتى يومنا هذا .
مصطلح الشهادة
لعل من بين أبرز المصطلحات في الرواية الإسلامية كلمة « الشهادة » حيث جعل الإسـلام الـروايـة شـهادة ، بمـا تـفرضه على الراوي من ضرورة الالتـزام بمبـدأ الأمانـة والصدق في الـقول واجتنـاب شهادة الزور ، وأصبح الـراوي مسئولاً عما يروي ، وإذا ثبت خروجه عن جادة الصواب رُدَّت عليه روايته وناله التجريح في شخصه ، ولم يعد للمسلمين حاجة في روايته ويتوقف الأخذ عنه .
الشهادة في جمع القران
وقد بـدأنا الحديث بمصطلح الشهادة، لما تحمله من دلالة دينية ، ولأسبقيتها مختلف المصطلحات، ومما يذكر بـهذا الخصوص قول أبي بكر الصديق – عندما أرادوا جمع الـقرآن على عـهده – لـعمر بن الخطاب ولـزيد بن ثابت : اقعدا على باب المسجد ، فمن جاءكما بشـاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه ، ويقول زيد: وجدت آخر التوبة ( لقد جاءكم رسول ..الآية ) مع أبي خزيمة الأنصاري الذي جعل النبيّ[ شـهادته بشـهادة رجـلين ، ولم أجـدها مع غيره فألحقتها في سورتها ، وقد التزمت اللجة بـهذه القواعد، حتى قيل إن عمر نفسه أتي بما ســموه بآية الرجـم ، فلم يكتبها زيد لأن عمر كان وحـده ، أي جـاء بشـهادة واحـدة ، وكذلك فـعل عمر فقد ردّ شـهادة ابنـتـه حـفصة زوج النبي فـي قـولها : اكتبوا ( والصلاة الوسـطى صلاة العصر ) ، وقال لها أبـوها : ألك بيّـنة بهذا ؟ قالت لا، قال: فوالله لا ندخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا إقامة بيّنة.
ظل مصطلح « الشهادة » وما تـفرع عنـه من مصطلحات لا تبـعد عن دلالته (مثل : الدليل والبرهان والبيـنة والحجة والاحتجاج) أسـاساً علمياً يؤخذ بـه في كثير من العلوم الدينية والبحوث اللغوية.

• إذا ساور علماء الحديث أدنى شبهة في الراوي أو في الحديث – بسبب انقطاع السند في روايته ، أو جَرْحٍ فيمن رواه ..استبعدوه وضعفوه .

موسوعة المعجم المفهرس لألفاط الحديث النبوي
موسوعة المعجم المفهرس لألفاط الحديث النبوي

علم الحديث ومصطلحاته

وقد حظيت السـنة النبوية – في العصور المتأخرة – بالكثير من المصطلحات بما يفوق الوصف، فقد ظهر مـا يسمي بــ« علـم الحديث ومصطلحه »،  وهو علم مسـتقل لـه أصولـه وفروعـه ، وهي في جملتهـا تـسعى إلى التثبت من صحة ما روي عـن النبيّ، وتحديد درجـة الحـديث ومقـداره من الصحة لما يترتب على ذلك من قضايـا فقهية وأمور دينية ، وقد فاض هذا العلم بعدد من المصطلحات مثل : المتواتـر ، الأحـاد – الصحيح – الحسـن – الضعيف – الشـاذ – المنكر ، ثم ظهر في ضوء ذلك ما عـرف بـعـلم الجـرح والتعـديـل ، ورجـال الحـديث وعـلم مختلـف الحديث.

مفهوم التواتر

ونكتفي بـالتوقف عنـد مدلـول واحــد من تلك المصطلحـات ، كما ورد عنـد الخطيب البغدادي في مفهوم « التـواتر » إذ يقول : « فأما خبـر التواتر فهو ما يخبّـر به القوم الذين يبـلغ عددهم حـداً ، يُعلم عند مشاهدتهم بمسـتقر الـعادة أن اتـفاق الكـذب عـندهم محالٌ ، وأن التواطؤ منهم في مقدار الـوقت الـذي انتشـر فيه الخبر عنهم فيه متعذر، وأن ما أخبروا عنه لا يجوز اللبس والشبهة في مثله ، وأن أسـباب الـقـهر والغـلبـة والأمورالـداعيـة إلى الكـذب منفـية عنهم ، فمتى تـواتـر الخـبر عن قوم هـذه سبيلهم قُطِع على صدقه ، وأوجب وقوع العلم ضرورةً ».

صحيح مسلم
صحيح مسلم

ولا بد من وقفة عند هذا التعريف للتأمل والتحليل ، فهو يتضمن :

٭ وجود قوم ( جماعة من الناس ) ينقلون خبراً ما .

٭ يبـلغ عددهم حداً ( أكثر من ثلاثة لوجـود الضمير « هم »، وأما جـمع القرآن فكان زيد بن ثابت وعمر بن الخطاب يقبلان شـهادة رجلين، إضافة إليهما،  فقد كانا يحفظان القرآن ) وكأن هناك أربع شهادات .

٭ حداً، يُعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتـفاق الكذب عندهم محال ( أي إذا نظـرنا إليهم وما جـرت عليه الـعـادة من معرفتنا بــهم نـعلم أنـهم صادقون ، وهذا ما عرف بفحص الرجال = علم الرجال ).

٭ وأن التواطـؤ منهم في مقدار الـوقت متعذرٌ ( مقدار الـوقت الـذي نقلوا فيه الخبر إلينا – واحـداً بـعد الآخر – ضيقٌ ، فلا يسـمح لهم بالتلاقي والتشاور فيما بينهم للكذب ).

٭ وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبـس والشبهة على مثله ( وهـذا ما عرف بنقد المتن وهو النص المنقول ) .

٭ وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منفية عنهم ( أي أنهم جاءوا بمحض إرادتهم ولم يفرض عليهم أحد ذلك ).

٭ فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سـبيلهم قُطِع على صدقه ، وأوجـب وقوع العلم ضرورةً (وجود هذه الشروط مجتمعة تؤكد صدق الخبر، ويلزمنا العمل بموجـبه)، ويسمى حينئذ « متوتـراً » أي : تـواترت وتـتابعت وتـوالت على صحته الأقوال التي لم يتواطأ أصحابها على الكذب.

• لو تأملنا في أسـس المنهج الذي أخـذ به المحدّثون – من أمثال البخاري ومسلم وغيرهما – أنفسهم في رواية الأحاديث لهالتنا صرامة المنهج .

صحيح البخاري
صحيح البخاري

تعريف محكم صارم

فهل بعد هذا التعريف المستفيض المحكم  بما تضمنه من شروط دقيقة لمفهوم التواتر ، ما نطـمح إلى أكثر منه لتأسيـس مشروع علمي للرواية الـدينية ، ثم ، أوليـس في هـذا المفهوم ما تـأخذ بـه المحاكم ودور القضاء لإثبات البراءة وصدق شهادة الشهود من عدمها ، ثم تطبيق الأحكام بناءً عليها ؟!

كشف المزيفين

ولعلنا لو وقفنا متأملين في أسـس المنهج الذي أخـذ به المحدّثون – من أمثال البخاري ومسلم وغيرهما – أنفسهم في رواية الأحاديث لهالتنا صرامة المنهج ، ولراعتنا شدة أسره وإحكامه، فكانوا إذا ساورهم شـك أو أدنى شبهة في الراوي أو في الحديث – بسبب انقطاع السند في روايته ، أو جَرْحٍ فيمن رواه استبعدوه وضعفوه،  ولا أحد ينكر البواعث الـدينية والنوايا الصادقة وراء ذلك ، فقد أرادوا الحقيقـة ، وهـي ضالــة المـؤمن ، وأرادوا تشييد صرح ديـني شـامخ يـقـوم على منهجية موضوعية دقيقة ، تنـشد الصدق ، وتبـتغي مرضاة الله ورسـوله ، لا سيـما أنـهم شـاهدوا بـأعينهم بـعض المروق في الـدين والخـروج عـن الجماعة ، حيث وقعت اختـراقات في بعض الأحـاديث ، وضعها أصحاب النفوس الضعيفة لـغـايـات ومآرب، وقـد قيّـض اللــه للـوضاعـين والمـدلسـين من كشـف عن زيـفهم وفضح سرائـرهم ، وأصبح التصدي للوضاعين من بين الأسـس التي قامت عليها الـرواية الـدينية ، وقد حدث شيء قريب منه في الرواية الأدبية حيث زيف بعض الشـعراء الشعـر ، وانتحلوه ونسبوه لقوم آخـرين ، فكان من مهمة علماء الأدب واللغة أن يكشفوا ذلك ما استطاعوا إليه سبيلاً.

بقلم : د . رفيق حسن الحليمي

الحلقة السابقة

الصفحة الرئيسية تراثنا

خدمة تلقي الاخبار المجانية 

تنويه : تعتذر تراثنا  عن استقبال مشاركات المتابعين الكرام لأكتفائها .. عدا التعقيبات والمساهمات ضمن وبريد القراء

اترك تعليقاً

اغلق القائمة