تزوير المخطوطات وسبل الكشف عنها (2/1)


تراثنا – أ. حسني عبد الحافظ : من الاشكاليات الخطيرة التي يمكن ان تشوه ذاكرة الأمم والشعوب ، وتحدث خللاً فعلياً في المسار التاريخي للمنظورات الحضارية ، إشكالية تزييف المخطوطات ، التي لم يسلم منها اي تراث مخطوط لأمم وشعوب الأرض قاطبة ، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة *

وقد نال تراثنا العربي جانباً من هذه الإشكالية ، إلا أنه أمكن الكشف عن جل المخطوطات التي اصابها التزوير والتزييف ..في هذه الدراسة نلقي الضوء على إشكالية تزوير المخطوطات ونتعرف على سبل الكشف عنها .

أ . حسني عبدالحافظ

الباحث حسني حافظ  :

  • نال تراثنا العربي جانباً كبيراً من إشكالية تزييف المخطوطات إلا أنه أمكن الكشف عن جلها .

  • التزوير قد يطال زمن المخطوط الحقيقي ، أو تبديل جلد المخطوط وبعض أوراقه واستبداله بمؤلف وعنوان آخر !

  • المحو احدى وسائل التزوير باستخدام وسائل كيميائية أو الكشط بما لا يترك أثر ظاهر للعين .

  • احدى وسائل التزوير أن يؤخذ مجلد ضخم ويفكك إلى عدة كتب ورسائل ويجلد كل منها مستقلا !

  • بعد ان كان مخطوط رباعيات الخيام مصدر  فخر واعتزاز لجامعة كمبردج..اتضح أنه مزور باتقان !

تجدر الإشارة بادئ ذي بدء ، إلى أن المخطوط من المنظور المادي يتألف من :
صفحة العنوان، المقدمة والاستهلال ، الفصول والعناوين الفرعية ، الخاتمة ، الهوامش ، علامات الترقيم ، الاختصارات ، مسطرة الخطوط ، التصويبات والتصحيحات ،بيانات التوثيق ، المتمثلة في التمليكات والقراءات والمطالعات ، والصور والرسوم ، الزخارف والتذهيب ، التجليد ، العلامات المائية .

التزوير لغة : هو ” تزيين الكذب ” أورد ذلك الجوهري في الصحاح ،والزمخشري في أساس البلاغة ، وأضاف الصاحب ابن عباد في محيطه اللغوي ” زوت الشيء أعوجته ، وأملته عن جهته ” .

واصطلاحاً : هو تغيير الحقيقة ، بقصد الغش في محرر أو وثيقة ، تغييراً من شأنه أن يترتب عليه ضرر على الآخرين ، والتزوير عند الفقهاء هو : ” الكذب المكتوب ” .

طريق تزوير المخطوطات
وثمة طرق بعينها ، هي الأكثر شيوعاً في تزوير المخطوطات : الأدهم ، د . عمر : تأمين الوثائق والمستندات /138 ) ، يمكن تصنيفها إلى :
تزوير مادي جزئي : ومنه التزوير بتغيير الحقيقة أثناء النسخ ، حتي يقزم الناسخ بوضع ذات التاريخ الموضوع أساساً في نهاية المخطوطة التي ينسخها ، وهو بذلك لا يراعي الفارق الزمني بين أصل المخطوطة ونسختها ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، فهناك مخطوطات وُضعت في الأصل إبان القرن الخامس الهجري ، ثم أعيد نسخها غير مرة في القرون التالية ، إلا أن الناسخين سجلو تاريخ نسخه الأصل .

التزوير باستخدام ورق معتق : حيث يقوم المزور بتفكيك المخطوطة ، واستبعاد بعض أوراقها ، ووضع الأوراق المعتقة مكانها ، كصفحة العنوان ، او الخاتمة ، بعنوان جديد واسم مؤلف آخر .

التزوير بالمحو : ولا يستعمل إلا في المخطوطات المدونة على ألواح رق ، أو ورق صقيل جداً ، ويستخدم منه المحو العادي ( بالأصبع ) ، أو المحو بالكشط ، أو بالوسائل الكيميائية والميكانيكية ، التي لا تترك أثراً ظاهرياً تدركه العين المجردة .

التزوير بالإضافة على البيانات الأصلية .

التزوير بإعادة التجليد : بأن يؤخذ مخطوط ضخم ، يشمله الأصل مجلد واحد ، ثم يفكك إلى عدة كتب ورسائل ، كل منها يجلد تجليداً مستقلاً .

التزوير بوضع تملكات ، أو أختام مزورة .

تزوير مادي كلي : وذلك باصطناع مثيل للمخطوط الحقيقي ، ومن الأمثلة الدالة على ذلك ، مخطوط لرباعيات الخيام ، وكانت مكتبة جامعة كمبردج تحتفظ به ، وظل مدعاة فخر وإعتزاز لهذه المكتبة زمناً طويلاً ، إلا أنه حين اخضع للفحص الدقيق ، تبين أنه ليس مخطوطاً أصلياً ، بل مزوراً بشكل متقن ، وكذلك الحال بالنسبة لمخطوط السيرة النبوية لابن هشام ، والذي كان مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ، قد ابتاعه من أحد تجار المخطوطات ، وحيث اخضع للفحص من قبل فريق تقني ، أشرف عليه الخبير في علم المخطوطات قاسم السامرائي ، تبين ان المخطوط ليس أصلياً ، وإنما مزوراً ، وأن عملية التزوير حديثة العهد ، حيث لا تتجاوز المائة سنة الماضية ..وبحسب قاسم السامرائي فإنه أمكن التوصل إلى كشف التزوير ،وتحديد الوقت الذي تم فيه من خلال :

• فحص نوعية الورق الذي ثبت أنه لا يرقى إلى القرن الثالث الهجري ، لأن الورق أبيض ، وقد صُبغ عمدا بمادة صفراء ، كما أن نوعية الحبر المستعمل ليست من الانواع المعروف في القرن الثالث ، بل هي أحدث عهداً ، وكونها سريعة الذوبان في الماء .

• لم يعهد في الكتب التي وصلتنا من القرن الثالث الهجري ، أن تكون مكتوبة بالخط الكوفي اليابس ، حيث ان استخدام هذا الخط كان قاصراً على كتابة المصحف الشريف .

• إن مخطوطات القرن الثالث ، وما تلاه إلى السادس الهجري ، كانت تتبع ما يُسمى تقسيم الأجزاء الحديثية ، أي أن الكتاب كان يُقسم إلى أجزاء صغيرة ، ويُعاد عنوان واسم المؤلف والقراءات في كل جزء ، بينما المخطوط الذي قمنا بفحصه ، أتى خالياً من هذا التقسيم ، وهذا غير معهود في المخطوطات القديمة ،

وأيضا من الأمثلة المتعلقة بالتزوير الكلي للمخطوطات ، الحادثة الشهيرة التي أوردها ياقوت الحموي في معجم الأدباء ، وقام بها الوزير الخطاط ابن البواب ، حيث صور جزءاً من القرآن الكريم بخط ابن مقلة ، ثم راهن بهاء الدولة البويهي ، أن يكتشف الجزء المزور ، من بين الأجزاء الثلاثين التي قدمت إليه ، فلم يستطع ، حيث تمكن ابن البواب من تزييف الخط والحبر والورق والجلد و التذهيب ، بشكل لم يمكن بهاء الدولة من كشف هذا الأمر .

رابط الجزء الثاني ( سبل الكشف عن عمليات التزوير 2/2)

هامش
*المقال نُشر في عدد تراثنا رقم (40) بتاريخ سبتمبر/ اكتوبر 2009م

تراثنا العدد 40 سبتمبر 2009
مجلة تراثنا العدد 40 سبتمبر 2009

تواصل معنا

زيارة الصفحة الرئيسة ( تراثنا ) – حساب ( تراثنا ) على منصة تويتر – حساب ( المخطوطات ) على منصة انستغرام – مجلة ( تراثنا ) الورقية – الموقع الالكتروني لمركز المخطوطات  والتراث والوثائق • تتوفر تراثنا عن طريق الاشتراك فقط حاليا ً.. التعقيبات والمساهمات ضمن بريد القراء ادناه – هواتف المركز : 25320902- 25320900/ 965 +

اترك تعليقاً

اغلق القائمة