مصر الاربعينيات و ذكريات الماضي
مصر الاربعينيات وذكريات الماضي

زاوية جديدة ، نطل من خلالها على القارئ الكريم ، نقتطف له مما سطر من نوادر المواقف والوصوفات في كتب الرحلات القديمة الموجودة في مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالجابرية .

و نقتطف لكم من شذرات كتاب “من القدس إلى لندن ” للكاتب والاديب ومدير دار الآذاعة الفلسطينية في الاربعينيات من القرن العشرين عزمي النشاشيبي ضمن وقفتنا  في رحلة امتاع “من نوادر المواقف والاوصاف “

_______________________________________

و ابرز ما جاء فيها :

  • الشرق شرق.. والغرب غرب ولكنهما يجتمعان ويلتقيان في مصر وينتج عنهما تفكير ولغة لامثيل لها في العالم .
  • المألوف في مصر أن تكون مدججا بكرش مهيب طوله اربعة أمتار.. والنحافة عندهم مضرب للمثل .
  • من طرائف اسماء الازقة والشوارع: شارع النهدين ، درب المكسحين ، درب العوالم ،درب القرود ، درب ضلع السمكة ..
  • الالتزام بالمواعيد في مصر اشبه ما يكون بخرافة واسطورة الغول والعنقاء ..
  • مصر عزيزة بقضها وقضيضها و اقول كقول جوزفين بيكر عن فرنسة “لي في بلاد العروبة وطنان ، بلدي والقاهرة “.

__________________________________________

وترسو بنا الباخرة في ميناء بورسعيد ، ويحملنا منها القطار إلى القاهرة ، وتطأ قدمانا ارض الكنانة ، فتعود بنا الذكريات إلى زيارات سابقة متعددة لهذا البلد الطيب ، بلد صلاح الدين والفاروق ، فتملئ النفس بهجة واغتباطاً ويقضي صاحبنا بضعة عشر يوماً في مصر متجولاً ههنا وههنا ، فتتحرك فيه عاطفة الميل إلى الكتابة وتقع العين على مذكرات حديثة دونت خلال زيارة سابقة ، ويتلو صاحبنا هذه المذكرات مرة

وثانية ، ويحاول التعديل فيها والتبديل فلا يستطيع ، فمصر الخالدة ، خالدة في كل شيء ، وقد رأي في هذه المذكرات صوراً من الحياة في مصر يراها الزائر في كل حين ، وهي هي اليوم كما كانت قبل سنوات وكما ستكون بعد سنوات ، اتل معه بعض هذه المذكرات كما دونت بالحرف واحكم لنفسك ان كان على خطأ :

” نحن الآن في مصر ، ارض الكنانة ،وادي النيل ، في القاهرة ، الجوهرة المتألقة في صدر افريقية ، مدينة الأسحار والاسرار، بوتقة العجائب والغرائب، يقول كبلنغ ، الشاعر الانكليزي المعلوم في قصيدته المشهورة ” الشرق شرق .. والغرب غرب ، و التوأمان لن يلتقيا ” وتؤلف فرياستارك ، الرحالة المستشرقة المعروفة ، كتاباً تسميه ” الشرق غرب ” .
هذا شاعر انكليزي هجر بلاده غلاماَ يافعاً الى الشرق فقطن الهند ونشأ فيها وعاش ودرس ونثر ونظم ، وهذه كاتبة انكليزية استهوتها أعاصير الصحراء ، واجتذبتها شمس الجزيرة ، فهجرت بلدها وتاهت في فيافي قحطان .

فك طلاسم الشرق

وهذا وتلك يدعيان التوصل إلى اغوار الشرق وفك طلاسمه ، وقد ضل صحبنا وتعصب ، كما بالغت صاحبتنا في التفاؤل واندفعت ، والحقيقة التي لا يأتيها الباطل من أمامها ولا من خلفها، هي ان الشرق شرق والغرب غرب ولكنهما يلتقيان ويجتمعان ، بل ويجتمعان كثيراً هنا في هذا البلد الطيب ، وينتج عن اجتماعهما هذا ، جو وعقلية وتفكير ولغة وحالات لا ترى مثيلاً لها في العالم ، هاك على سبيل المثال قائمة المواعيد للغداء في اسبوع واحد : ” الاثنين مع ضابط بريطاني كبير يشغل منصباً مدنياً ، الثلاثاء مع شاب اسباني يشتغل في شركة سينمائية افرنسية عمل لحساب الجيش الاميركي ، الاربعاء استاذ جامعة مصري ، الخميس محرر جريدة أميركية ، الجمعة وزير عراقي ، السبت ديبلوماسي تركي ، الاحد ارتست في جنينة الحيوانات على ضفاف بركة البط ، هذا في النهار أما في الليل فمن ” الاسكا ” الى ” جوهانسبرج ” ومن ” كازابلانكا ” إلى ” يوكوهاما ” . و كفى الله القراء شر التفاصيل .

هذه هي القاهرة 
هذه هي القاهرة ، وقد ألف المتقدمون والمتأخرون عنها المجلدات الضخمة بالعشرات بل بالمئات ، ونظمت في مديحها و وصفها عيون القصائد التي تملؤ الدواوين ، فما عساي ان اكتب عنها ؟
ولكن هل لمثلي ان يمكث فيها بضعة أسابيع دون ان يدون ولو بضع ملاحظات عابرة خاطفة على بعض الظاهرات التي لا يمكن الا وان تلفت نظر سائح ” حشري” من طرازي ؟ ..طبعا لايجوز ..اذن ، اليك ايها القارئ بعض ما رأيت وما خبرت ، وهي كما قلت ” بعض ملاحظات ” ، و البعض القليل جداً من مجموعة هائلة ، إذ كيف يمكن الحصر في بلد يعيش الاناسي في بعض أحيائه في العصر الحجري ، بينما يعيش البعض الآخر في احياء اخرى في القرن الحادي والعشرين !

رئيس الوزراء المصري النحاس باشا في زيارة للقدس و في الصورة عزمي النشاشيبي مدبر دار الاذاعة الفلسطينية واعيان مقدسيون
رئيس الوزراء المصري النحاس باشا في زيارة للقدس وفي الصورة عزمي النشاشيبي مدير دار الاذاعة الفلسطينية واعيان مقدسيون

المألوف في بلدان هذا الكون اجمع ان يكون المرء نحيفاً ممشوق القوام ، فاذا سمن احدهم وافرط في السمن ، نعته الآخرون بالسمنة كعاهة او علامة فارقة او شيء شاذ ، كقولهم مثلاً فلان اعرج ، و فلان اقرع وفلان محدودب الظهر إلى اخر القائمة .. اما هنا فالأمر على عكس ذلك ، إذ المألوف ان يكون المرء مدججاً بطبقات من الشحم واللحم ، لا ينقص قطر الكرش المهيب عن أربعة أمتار على الأقل ، فاذا ما ضربت النحافة أحدهم أصبح مضرب المثل ، أما السبب في كل ذلك فسل عنه الحاتي والعجاتي ، وما ينتج عن الاكثار من زيارتهما من تضخم في الكبد ، وتمدد في المعدة ، وتقلص في الحيوية ، وتراكم طبقات الشحم على القلب وغير القلب …

طرافة الاسماء والمسميات
وبعد ان يمتليْ بصرك من عناصر الجنس اللطيف من ذوات الوزن الثقبل من المهفهفات المعجعجات اللواتي يتبخترن على ارصفة ميدان ابراهيم باشا ثم العتبة الخضراء ، فيجبرن نظرك على التأرجح بحركة تشبه رقاص الساعة ، يصيبك من جرائها صداع في الراس ، واضطراب في عضلات العينين ، تجلس هنيهة لتستريح ، ثم تنهض فتستمر في السير متخطياً هذين الميدانين إلى بقعة بلدية من العاصمة ، فاذا ما تجولت في انحاء باب الخلق والموسكي ، وما بينهما وما حولهما..لفت نظرك قبل كل شيء واكثر من كل شيء اسماء بعض الشوارع ، لا سيما الازقة والدروب ، وقد يكون لهذه الاسماء قصة ، وقد يكون لها مناسبات ، ولكنها طريفة وظريفة جدا ، وهناك ايها القاريء اللبيب قائمة صغير منها بدون تعليق :
شارع بين النهدين ،شارع الشيخ العبيط ، شارع البهلوان ، شارع مكسر الخشب ، درب ابو لحاف ، درب القرود ، شقة ثعبان ، درب الزير المعلق ، درب ضلع السمكة ، درب المزين ، درب المهابيل ، درب المكسحين ، بير المش ، سكة حمير ، بحر الصبابة ، درب العوالم ، حوش البقر ، درب المقشات .

خرافة الموعيد
الان ..وقد تعرفت إلى شوارع البلد ، او بعضها على الاقل ، يمكنك ان تضرب المواعيد بين الاخوان والخلان ، اما ان هذه المواعيد تتحقق في اوقاتها او لا تتحقق مطلقاً ، فتلك حكاية لا علاقة لها قط بالمواعيد نفسها ، إذ ان المواعيد هنا اسطورة او خرافة ، كخرافة الغول والعنقاء ، وقد قال الكاتب اللبق فكري أباظة في مقال له يعالج فيه ازمة الساعات : ” وما الحاجة إلى الساعات في بلد لا يعرف أهله للمواعيد معنى “؟! .

شارع اسماعيل باشا
شارع اسماعيل باشا

شطَبت المواعيد
طلبت سيدة المقابلة للبحث في بعض الاعمال ، فسألتها باحترام عن الساعة التي توافقها هي ، فاجابت ” الرابعة ” تماماً ، فانتظرت ” اربعة ونصف ، خمسة ، خمسة ونصف ، ستة ..و اذ بها تتبختر على شرفة الفندق ولم يبق للسابعة الا بضع دقائق ، فلم اتمالك من إظهار بعض المرارة على هذا التأخر الذي لا مبرر له ، واذا بها تقول بمنتهى الرقة والطهارة : ” شوف حضرتك ، انا اصلي مابجيش على المواعيد ابداً ، انما جيت اليوم بس علشان خاطرك ” ! وعندها انحنيت حتي كادت جبهتي تلمس الارض بين قدميها ، للتعبير عن عظيم امتناني وتقديري لما غمرتني به من العطف والاهتمام ، وبعد بضعة عشر اختباراً من هذا الطراز ، شطبت على عنصر المواعيد في برنامج حياتي اليومية ، وخليتها على الله ، والله .

مصر المحبة إلى النفس
ولكنها مصر ، العزيزة على القلوب ، المحببة إلى النفس ، بقضها وقضيضها ، بغثها وسمينها ، بحلوها ومرها ، وستظل كذلك على كر السنين وتعاقب الاجيال والاحقاب ، ولايزور صاحبنا مصر مرة الا ويشعر بالسرور ، والمرح والحبور ، كلما فارقها جذبته إليها بشدة فرجع برغبة تطغي على مثيلتها في الزيارة السابقة ، وما زارها مرة والا وتذكر انشودة جوزفين بيكر الخالدة التي لم تكد تغردها حتي كانت على لسان كل افرنسي في الكون ، وكان مطلعها :” لي في الكون وطنان ، بلدي وباريس ” وكان هذا لسان حال صاحبنا في كل حين ” لي في بلاد العروبة وطنان ، بلدي والقاهرة ” .

                            للكاتب : عزمي النشاشيبي

من القدس غلى لندن
من القدس الى لندن

http://www.torathona.org/

سجل بريدك الألكتروني لتصلك المقالات مباشرة :
h/ttp://www.torathona.org/%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D9%86%D8%A7

اترك تعليقاً

اغلق القائمة